في مدينة “الثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ولياً”، حيث اعتادت الرمال أن تحفظ ذاكرة القوافل والمخطوطات، باتت تحفظ اليوم أيضاً تواريخ الحصار ومواقع الخوف. لكن في ديسمبر البارد لعام 2025، قررت تمبكتو أن الموت المتربص على تخومها لن يمنعها من الغناء.
اختارت الدولة المالية، في أقصى درجات تحديها، أن تواجه “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” التي تخنق المدينة، لا بالرصاص فقط، بل بالإيقاعات التراثية والأزياء المزركشة. فعودة “مهرجان تمبكتو الفني والثقافي” هذا الشهر، ليست مجرد بند في أجندة وزارة الثقافة، بل هي معركة وجودية تُخاض على مسرح مفتوح.
واحة تحدٍّ وسط عاصفة أمنية
منذ الثامن عشر من ديسمبر الجاري، تحولت تمبكتو إلى ثكنة عسكرية تحتفي بالفن. وصول وفد حكومي رفيع المستوى، يتقدمه الوزير الأول عبد الله مايغا، وقيادات من المجلس الوطني الانتقالي مثل حامي فونِي مهالمدان والتاي آغ عبد الله، كان بمثابة رسالة سيادية “عالية المخاطر”. مع العلم أن المهرجان يستمر حتى الثامن والعشرين من الشهر ذاته.
الطرق المؤدية إلى “جوهرة الصحراء” ليست آمنة تماماً، وتهديدات الجماعات المسلحة بفرض “فراغ ثقافي” بالقوة هي واقع يومي يعيشه السكان. ورغم هذا، تدفقت الحشود، متحدية الطوق الأمني غير المرئي الذي يفرضه المسلحون في المحيط البعيد، ليثبتوا أن إرادة الحياة أقوى من استراتيجيات الخنق.
فوق منصة الافتتاح، التي أحيطت بإجراءات أمنية استثنائية، لم يتردد الوزير الأول مايغا في تسمية الأشياء بمسمياتها، واضعاً الحدث في سياقه الدرامي: “هذا ليس مجرد احتفال بالفنون والتقاليد.. بل هو فعل للتذكر والمقاومة”.
هندسة الروح في “مالي الجديدة”
تدرك باماكو جيداً أن المعركة في الشمال ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة على الرموز والسرديات. فمقابل الأيديولوجيا المتشددة التي حاولت قبل عقد من الزمن تدمير الأضرحة وإحراق المكتبات العتيقة، تطرح السلطات الانتقالية اليوم “الثقافة كركيزة لبناء مالي الجديد”، وهو الشعار الذي اختير بدقة لهذه الدورة.
هذا التوجه ليس وليد اللحظة؛ بل هو جزء من استراتيجية أوسع أطلقها رئيس المرحلة الانتقالية نهاية العام الماضي، وتوّجت بإعلان عام 2025 “سنة للثقافة” في مالي. إنها محاولة لإعادة هندسة الروح الوطنية، واستخدام التراث الغني كـ “مساحة حيوية لنقل التراث بين الأجيال”، وضمان ألا ينشأ جيل جديد في تمبكتو لا يعرف سوى لغة الرصاص.
أكثر من مجرد مهرجان
بالنسبة لأهالي تمبكتو، الذين عانوا لسنوات من العزلة القسرية، فإن رؤية مدينتهم تستعيد ألقها – ولو مؤقتاً تحت حراسة مشددة – هو جرعة أمل ضرورية. كل نغمة “تيكامبا” تصدح في الليل، وكل رقصة طوارقية بالسيف، هي استعادة لقطعة من الروح المسلوبة للمدينة التي كانت ذات يوم ملتقى لحضارات العالم.
أعرب الوزير الأول عن ارتياحه لـ “الاستجابة الواسعة” للدعوة الثقافية، لكن الارتياح الحقيقي كان في عيون الحاضرين الذين رأوا في المهرجان تأكيداً على “هوية مالي الراسخة” التي لا يمكن للجماعات المسلحة محوها.
قد لا يفك هذا المهرجان الحصار الأمني المعقد عن تمبكتو بين ليلة وضحاها، لكنه نجح في فك الحصار النفسي. لقد أثبتت الأيام الماضية أن الموسيقى في مالي ليست ترفاً، بل هي سلاح ناعم في حرب طويلة وصعبة من أجل البقاء والسيادة.















