بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل إخباري

بين تشديد القبضة الأمنية وتجفيف البيئات الحاضنة.. إغلاق مسجد التقوى يعكس ثبات النهج الفرنسي في مواجهة الإسلام السياسي

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعيد قرار السلطات الفرنسية إغلاق مسجد “التقوى” في ضاحية “أولناي سو بوا”، شمال شرقي باريس، تسليط الضوء على أحد أكثر الملفات حساسية في السياسة الفرنسية، والمتمثل في العلاقة بين الأمن القومي وإدارة الحضور الديني داخل المجال العام. إلا أن هذا القرار لا يمكن فهمه بوصفه استجابة ظرفية لتقارير أمنية أو حادثة معزولة، بل يأتي ضمن مسار سياسي وأمني متواصل تتبعه باريس منذ سنوات، يقوم على مواجهة ما تصفه بـ”الانفصالية الإسلامية” وتجفيف البيئات التي ترى أنها تهيئ لانتشار الفكر المتطرف.

صدر القرار عن محافظ سين سان دوني في 27 يوليو 2026، لمدة ستة أشهر، استناداً إلى المادة L.227-1 من قانون الأمن الداخلي، وهي من الأدوات التي أقرها قانون تعزيز الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب عام 2017. ويأتي القرار ضمن مسار رقابي أوسع تعزز لاحقاً بقانون احترام مبادئ الجمهورية لعام 2021. 

استراتيجية تتجاوز الإغلاق

لا تنظر الدولة الفرنسية إلى إغلاق المساجد باعتباره هدفاً بحد ذاته، وإنما باعتباره أداة ضمن سياسة وقائية تستهدف البنية التنظيمية والفكرية التي قد تسمح بانتشار التطرف داخل المجتمع.

ولهذا السبب، لم يعد التركيز مقتصراً على ملاحقة منفذي العمليات الإرهابية أو تفكيك الخلايا المسلحة بعد وقوع الهجمات، بل امتد إلى مراقبة المنابر الدينية والجمعيات ومصادر التمويل والخطاب الإعلامي والرقمي، باعتبارها حلقات مترابطة في تشكيل البيئة الفكرية التي يمكن أن تستغلها الجماعات المتشددة في عمليات التجنيد والتعبئة.

من هذا المنطلق، استندت السلطات الفرنسية في قرارها إلى تقارير أمنية تحدثت عن خطابات دينية اعتُبرت محرضة على الكراهية، واستضافة شخصيات خاضعة للمراقبة الأمنية، إضافة إلى نشر محتويات رقمية رأت فيها الإدارة الفرنسية تشجيعاً على رفض مؤسسات الدولة وقيمها الجمهورية.

لا يمثل مسجد “التقوى” حالة منفردة في هذا السياق، إذ سبقه منذ العام 2020 عدد من القرارات المماثلة التي تعكس ثبات النهج الفرنسي. فقد أغلقت السلطات مسجد بانتان في ضواحي باريس عقب التحقيقات المرتبطة بجريمة اغتيال المدرس صامويل باتي، قبل أن تمتد الإجراءات إلى مسجد بوفيه بعد اتهامات تتعلق بخطب دينية اعتُبرت محرضة على الكراهية، ثم إلى مسجد أليسيه في إقليم ألير ضمن تطبيق قانون مكافحة الانفصالية. ويؤكد هذا التسلسل أن باريس تتعامل مع هذه الملفات باعتبارها جزءاً من سياسة مؤسسية متكاملة، وليس استجابة لوقائع منفصلة، بما يعكس انتقال الدولة إلى استراتيجية تقوم على التدخل الإداري المبكر وتجفيف البيئات التي ترى أنها قد تشكل حاضنة للخطابات الراديكالية.

من الأمن إلى الفكر

يمثل مسجد “التقوى” نموذجاً للمؤسسات الدينية التي بقيت تحت المتابعة الأمنية لسنوات، إذ سبق أن صدر قرار بإغلاقه العام 2021، قبل أن يؤيد مجلس الدولة الفرنسي القرار مطلع العام 2022.

ويعكس تكرار الإجراءات بحق المسجد قناعة لدى المؤسسات الأمنية بأن الإشكالية لا ترتبط بمخالفة إدارية عابرة، وإنما باستمرار الأسباب التي دفعت الدولة إلى التدخل سابقاً، وهو ما يفسر العودة إلى استخدام الصلاحيات الإدارية ذاتها بعد مرور سنوات عدة.

كما يكشف ذلك عن تحول واضح في النهج الأمني الفرنسي. فبعدما كانت الأولوية تتمثل في إحباط العمليات الإرهابية وتعقب منفذيها، توسعت المقاربة لتشمل مراقبة الخطاب الديني نفسه، باعتباره أحد عناصر الوقاية الاستراتيجية من التطرف.

انتقلت باريس تدريجاً من سياسة “مكافحة الإرهاب” إلى سياسة “منع إنتاج الإرهاب”، أي التعامل مع المقدمات الفكرية والتنظيمية التي قد تسبق تشكل التهديد الأمني، وهو تحول يمنح المؤسسات الإدارية دوراً أكبر في إدارة المخاطر قبل تحولها إلى وقائع أمنية.

الانفصالية كتهديد للدولة

منذ مقتل المدرس الفرنسي صامويل باتي العام 2020، تبنت الدولة الفرنسية خطاباً أكثر صرامة تجاه ما تصفه بـ”الانفصالية الإسلامية”، وهو المفهوم الذي أصبح يشكل أحد المرتكزات الأساسية للسياسات الأمنية والتشريعية في البلاد.

وتعتبر السلطات أن الخطر لا يكمن فقط في تنفيذ أعمال عنف، وإنما في نشوء فضاءات اجتماعية وثقافية ودينية تعمل بمعزل عن قيم الجمهورية، وتنتج خطاباً يضع الانتماء الديني فوق الانتماء الوطني، بما يهدد وحدة الدولة ويقوض مبدأ العلمانية الذي يشكل أحد أعمدة النظام الفرنسي.

ومن هنا جاءت حزمة القوانين والإجراءات التي وسعت صلاحيات الدولة في مراقبة الجمعيات، وتتبع مصادر التمويل الأجنبية، وتعزيز الرقابة على الأئمة، وإغلاق المؤسسات التي ترى أنها تنشر أفكاراً تتعارض مع النظام الجمهوري.

وبذلك، أصبحت مكافحة التطرف في فرنسا ترتبط بإدارة المجال الديني بقدر ارتباطها بالعمل الأمني التقليدي، في محاولة لمنع تشكل البيئات التي قد تستغلها التنظيمات المتشددة في المستقبل.

بين الأمن والحقوق

أعاد قرار إغلاق المسجد إحياء السجال التقليدي داخل فرنسا بين أنصار المقاربة الأمنية والمدافعين عن الحريات العامة. فالحكومة تؤكد أن الإجراءات تستهدف الخطابات المتطرفة ولا تمس حرية العبادة التي يكفلها الدستور، وأن قرارات الإغلاق تستند إلى إطار قانوني واضح وتخضع لرقابة القضاء الإداري، بما يضمن إمكانية الطعن فيها.

في المقابل، ترى بعض الجمعيات الإسلامية ومنظمات حقوق الإنسان أن توسيع صلاحيات الإغلاق الإداري يمنح السلطة التنفيذية أدوات استثنائية قد تؤثر في ممارسة الشعائر الدينية وتفاقم شعور بعض المسلمين بالتهميش، محذّرة من الخلط بين مكافحة التطرف وإدارة الشأن الديني.

أما التيارات اليمينية، فتعتبر أن الإجراءات الحالية لا تزال غير كافية، وتطالب بتشديد الرقابة على الأئمة والجمعيات، وفرض قيود أكبر على التمويل الخارجي، وتسريع ترحيل الأجانب الذين يثبت تورطهم في نشر الفكر المتطرف، وهو ما يعكس استمرار الجدل السياسي حول حدود التوازن بين حماية الأمن وصون الحريات.

رسائل أبعد من المسجد

يحمل توقيت القرار أيضاً دلالات سياسية تتجاوز حدود مسجد “التقوى” نفسه. الحكومة الفرنسية تسعى إلى تأكيد استمرار نهجها الحازم في مواجهة التطرف، في وقت يشهد فيه المشهد الداخلي تنافساً متصاعداً حول ملفات الهجرة والاندماج والأمن، وهي قضايا أصبحت محوراً رئيساً في الخطاب السياسي والانتخابي.

في الوقت ذاته، توجه باريس رسالة واضحة إلى المؤسسات الدينية والجمعيات بأن الدولة ستستخدم كامل صلاحياتها القانونية ضد أي جهة ترى أنها تتجاوز النشاط الديني إلى إنتاج خطاب تعتبره مهدداً للنظام العام أو لقيم الجمهورية.

كما تحرص السلطات على تقديم هذه الإجراءات باعتبارها جزءاً من تطبيق القانون، وليس استهدافاً لدين بعينه، سعياً للحفاظ على التوازن بين متطلبات الأمن والالتزامات الدستورية المتعلقة بحرية المعتقد.

إعادة رسم العلاقة بين الدولة والدين

تكشف قضية مسجد “التقوى”، إلى جانب السوابق التي شهدتها فرنسا خلال الأعوام الأخيرة، أن باريس رسخت نموذجاً جديداً في إدارة الملف الديني، يقوم على الانتقال من مراقبة النشاط الإرهابي إلى مراقبة البيئات التي قد تسهم في إنتاجه أو توفير غطاء فكري له.

ومن خلال سلسلة الإغلاقات التي طالت عدداً من المساجد والجمعيات منذ العام 2020، يتضح أن فرنسا لا تنظر إلى هذه القرارات بوصفها تدابير استثنائية، بل باعتبارها جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة على المجال الديني وربط الأمن الداخلي بقدرة الجمهورية على فرض منظومتها القانونية والثقافية داخل جميع الفضاءات العامة.

وفي ضوء هذا المسار، يبدو أن باريس ماضية في ترسيخ عقيدة أمنية تقوم على التدخل المبكر وتجفيف البيئات التي تعتبرها حاضنة للتطرف، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن مواجهة التهديدات لا تبدأ عند وقوع العمليات الإرهابية، وإنما عند الحد من الظروف الفكرية والتنظيمية التي قد تتيح تشكلها وانتشارها. ومن المرجح أن تستمر هذه المقاربة خلال السنوات المقبلة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للسياسة الفرنسية في مواجهة الإسلام السياسي والتطرف، بغض النظر عن تغير الحكومات أو التحولات السياسية الداخلية.