بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

مقالات مشابهة

حصاد التقنية (2-2)

بين السيطرة الصامتة والإنقلاب الرقمي: من يملك سلطة التحكم بالذكاء الاصطناعي وعصبه ومناعته في 2025؟

بقلم آدمز وايت
بقلم آدمز وايت

في 2025، لم تعد السيطرة على الذكاء الاصطناعي تُقاس بامتلاك الخوارزمية الأذكى، بل بالتحكم في الجسد الذي يعمل، والعصب الذي يُنسّق، والمناعة التي تحمي. هذا التحول لا يعكس تطوراً تقنياً فقط، بل إعادة توزيع صامتة للنفوذ داخل النظام الاقتصادي–التقني العالمي.

من يسيطر على زمن الاستجابة وتدفق البيانات لا يحدد سرعة الذكاء الاصطناعي فقط، بل يحدد جدواه وحدود الاعتماد عليه داخل الاقتصاد الحقيقي. وفي هذا السياق، لم تكن الاستحواذات والاندماجات في 2025 صفقات نمو تقليدية، بل صفقات سلطة أعادت توجيه مركز الثقل من الخوارزميات إلى الأصول التي تجعل الذكاء الاصطناعي قابلاً للحياة.

نقطة الانطلاق: أرقام تكشف التحول

شكّلت أرقام عام 2025 نقطة الانطلاق لفهم هذا التحول الأعمق. فقد تجاوزت القيمة الإجمالية للصفقات المرتبطة مباشرة بمنظومة الذكاء الاصطناعي 187 مليار دولار وفق الصفقات المعلنة وتتبّع الأسواق المفتوحة، تركز أكثر من 78% منها في طبقات البنية التحتية: الرقائق، والطاقة، ومراكز البيانات، والشبكات، والأمن السيبراني.

هذا التركز لم يكن محايداً، بل أعاد توزيع النفوذ داخل المنظومة التقنية العالمية. ومع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى فاعل مادي داخل الاقتصاد الحقيقي، لم تعد السيطرة تُقاس بامتلاك الخوارزمية الأذكى، بل بالتحكم في الأصول التي تُمكّن هذه الخوارزمية من العمل والاستمرار. ومع دخول رأس المال السيادي والمؤسسي على خط الاستثمار، تجاوزت المنافسة حدود الشركات لتلامس مستوى النظام العالمي نفسه.

الجسد: الرقائق ومراكز البيانات

يمثل «الجسد» البنية الفيزيائية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي: الرقائق، وأنظمة الحوسبة، ومراكز البيانات، وما يتصل بها من تبريد وطاقة. وقد أظهرت صفقات 2025 أن التحكم في هذا الجسد بات شرطاً أساسياً لأي طموح استراتيجي طويل الأمد.

سعت “إنفيديا” NVIDIA إلى تكريس نموذج السيطرة عبر الانتقال من بيع الرقائق إلى تسليم منصات حوسبة متكاملة، تجمع المعالجات، والبرمجيات، والشبكات، في حزمة واحدة جاهزة للتشغيل. هذا التحول منح الشركة قدرة على فرض معايير تشغيل فعلية داخل مراكز البيانات، لا مجرد بيع مكوّنات منفصلة.

في المقابل، حاولت “إيه إم دي” AMD تقليص الفجوة عبر صفقات نوعية، أبرزها استحواذها على “زد تي سيستمز” ZT Systems مقابل 4.9 مليارات دولار.
لم يكن هدف الصفقة تعزيز محفظة المعالجات بقدر ما كان امتلاك الخبرة الهندسية لتصميم أنظمة متكاملة تضم آلاف المعالجات، مع شبكات وتبريد محسوبين بدقة. هنا، يصبح “الجسد” ذاته ساحة المنافسة.

وتشير تقديرات تشغيلية إلى أن أكثر من 60% من الإنفاق الرأسمالي المرتبط بالذكاء الاصطناعي في 2025 وُجّه إلى مكونات فيزيائية مباشرة، في مؤشر على أن السيطرة تبدأ من الأرض، لا من الشاشة.

الطاقة: من تكلفة تشغيلية إلى أصل سيادي

في عام 2025، خرجت الطاقة من خانة التكلفة التشغيلية إلى خانة الأصل الاستراتيجي. فمراكز البيانات المخصصة لتدريب النماذج المتقدمة تستهلك طاقة تعادل استهلاك مدن صغيرة، ما جعل استقرار الإمدادات شرط بقاء، لا ميزة إضافية.

في هذا السياق، لم يكن استحواذ “ألفابت” Alphabet على “إنترسيكت باور” Intersect Power مقابل نحو 4.75 مليارات دولار خطوة بيئية فقط، بل تحوطاً استراتيجياً لضمان استمرارية تشغيل الذكاء الاصطناعي كثيف الاستهلاك للطاقة. فالتحكم في مصدر الطاقة يحدّ من التعرض لتقلبات الأسعار، ويقلل المخاطر الجيوسياسية، ويمنح الشركة هامش مناورة أوسع في توسيع عملياتها.

وتشير تقديرات قطاع الطاقة إلى أن مركز بيانات واحداً مخصصاً لتدريب نماذج فائقة الحجم قد يستهلك ما بين 500 و800 ميغاواط/ساعة سنوياً. ومع توقع ارتفاع الطلب العالمي على كهرباء مراكز البيانات بأكثر من 160% بحلول 2030، تصبح الطاقة أداة نفوذ سيادي بامتياز، لا مجرد مدخل إنتاج.

العصب: الشبكات وتدفق البيانات

إذا كان الجسد يوفر القوة الحوسبية، فإن «العصب» هو ما ينسّقها: الشبكات، وتدفق البيانات، وزمن الاستجابة. ومع تشغيل نماذج آنية ووكلاء مستقلين، بات أي تأخير شبكي أو اختناق في البيانات كفيلاً بتقويض جدوى الاستثمار.

لهذا، تركزت صفقات 2025 على بناء شبكات «أصلية للذكاء الاصطناعي». وفي هذا الإطار، سعت “إتش بي” Hewlett Packard إلى تعزيز موقعها عبر استحواذها على “جونيبر نتوركس” Juniper Networks بقيمة 14 مليار دولار، بهدف تطوير شبكات ذاتية الضبط قادرة على التكيف تلقائياً مع أحمال التدريب الموزع.

تشير تقديرات تشغيلية إلى أن أي تأخير شبكي يتجاوز 10–20 ميلي/ثانية قد يؤدي إلى خفض كفاءة التدريب بنسبة تصل إلى 15%، ما يترجم مباشرة إلى خسائر بملايين الدولارات في البيئات واسعة النطاق. هنا، يصبح التحكم في زمن الاستجابة وتدفق البيانات أداة قوة لا تقل أهمية عن امتلاك الرقاقة.

المناعة: الأمن والهويات غير البشرية

مع تصاعد استقلالية الأنظمة الذكية، تحوّل الأمن السيبراني من وظيفة داعمة إلى شرط وجودي. فالذكاء الاصطناعي الوكيل يولد عدداً هائلاً من الهويات غير البشرية (وهي حسابات آلية ووكلاء برمجية تمتلك صلاحيات تشغيلية مرتفعة)، ما يجعل اختراق واحدة منها كفيلاً بإحداث أضرار واسعة خلال دقائق.

في هذا السياق، شكّل استحواذ “ألفابت” على “ويز” Wiz بـ 32 مليار دولار أكبر رهان على تأمين البيئات السحابية المتعددة. فالصفقة لم تكن مجرد توسع في محفظة الأمن، بل محاولة لبناء رؤية موحدة للمخاطر عبر سحابات مختلفة، حيث غالباً ما تنشأ الثغرات في «النقاط العمياء» بين المنصات.

كما تشير تقارير أمنية إلى أن أكثر من 70% من الهويات غير البشرية داخل المؤسسات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تتمتع بصلاحيات وصول مرتفعة، ما يجعل إدارة الهوية خط الدفاع الحقيقي في عصر الوكلاء المستقلين. إلى جانب ذلك، تصاعدت الاستثمارات في حماية النماذج نفسها من تهديدات مثل حقن الأوامر وتسميم البيانات، في إشارة إلى أن الهجوم لم يعد يستهدف البنية فقط، بل الذكاء ذاته.

رأس المال السيادي: من التمويل إلى الشراكة

لا تكتمل خريطة السيطرة الجديدة دون التوقف عند دور رأس المال السيادي والمؤسسي. فتكلفة بناء الجسد والعصب والمناعة تجاوزت قدرة شركات التقنية وحدها، ما فتح الباب أمام تحالفات تجمع بين شركات تقنية وصناديق استثمار عالمية.

تجسّد هذا التحول في صفقة الاستحواذ على “ألايند داتا سنترز” Aligned Data Centers ضمن تحالف تقوده “بلاك روك” BlackRock ويضم “إم جي إكس” MGX، في صفقة قُدّرت بنحو 40 مليار دولار، وتعكس انتقال رأس المال السيادي من دور الممول إلى الشريك التشغيلي في ملكية وتشغيل «العقارات الرقمية».

هذا التحول يمنح الدول التي تمتلك الطاقة والمواقع والبنية التحتية موقعاً جديداً في خريطة النفوذ التقني، حيث يتداخل الاقتصادي بالتقني، ويغدو الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أداة نفوذ جيوسياسي فعلي.

ما بعد الخوارزمية

لا تعكس صفقات 2025 نشاط اندماج واستحواذ عابراً بل استثماراً طويل الأمد في إعادة تعريف من يملك القدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي، وعلى أي نطاق، وبأي شروط.

ومع تحوّل البنية التحتية إلى مركز الثقل، لم تعد السيطرة تُقاس بامتلاك الخوارزمية الأذكى، بل بالتحكم في الأصول التي تجعل هذا الذكاء قابلاً للحياة، وقابلاً للتقييد في آن واحد.

بهذا المعنى، لا يبدو العقد المقبل سباق نماذج، بل صراعاً هادئاً وعميقاً على الجسد والعصب والمناعة. صراع لا يُحسم بالكود وحده، بل بالقدرة على بناء وتشغيل وحماية البنية التي تحمل هذا الكود، وتحدد حدوده.