بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تحليل اقتصادي

بين الحنين السياسي والخسائر الاقتصادية.. هل تفتح أوروبا أبوابها لبريطانيا من جديد بعد عقد من “بريكست”؟

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

بعد عشر سنوات من الاستفتاء الذي غيّر وجه السياسة البريطانية وأعاد رسم العلاقة بين لندن وبروكسل، تبدو البلاد وكأنها تعيش مرحلة “ندم الانفصال”، وتراجع تجربة الخروج من الاتحاد الأوروبي. فبينما تتصاعد داخل الأوساط السياسية تساؤلات حول إمكانية عودة المملكة المتحدة يوماً ما إلى التكتل الأم، يكشف الاقتصاد البريطاني، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة، عن استمرار التداعيات السلبية التي خلفها “بريكست” على أعمالها.

يدور النقاش حالياً بين شقين متوازيين؛ الأول سياسي يتمحور حول مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وإمكانية إعادة بناء الثقة وصولاً إلى عضوية جديدة، والثاني اقتصادي يتعلق بالكلفة التي تحملتها الشركات البريطانية نتيجة الحواجز التي نشأت بعد الانفصال.

شروط العودة

تشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى أن غالبية البريطانيين يعتقدون اليوم أن مغادرة الاتحاد الأوروبي كانت “خطأً”، وهذا يُثير موجة من المصطلحات المُنمقة لوصف “لم شمل” مُحتمل أشبه بالخيال، ونقاشاً سياسياً أكثر جدية حول ما إذا كان ينبغي على لندن السعي لتحقيق ذلك.

وازداد هذا الجدل مع تصاعد المنافسة السياسية داخل حزب العمال الحاكم، بعدما تحدث آندي بورنهام، أحد أبرز الأسماء المرشحة مستقبلاً لمنافسة رئيس الوزراء كير ستارمر، عن رغبته في رؤية بريطانيا تعود يوماً إلى الاتحاد الأوروبي.

ولكن، هل سترحب بروكسل بعودة بريطانيا؟ رغم الحساسية السياسية التي ما زالت تحيط بالملف، فإن دبلوماسيين أوروبيين أكدوا أن دول الاتحاد ستكون مستعدة، من حيث المبدأ، للنظر في عودة بريطانيا إلى عضوية التكتل.

ويقول مسؤولون أوروبيون إن أوروبا ستستفيد من استعادة دولة تمتلك أحد أكبر الاقتصادات العالمية، وقوة نووية، وعضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي، خاصة في عالم يشهد تصاعداً في الاستقطاب الجيوسياسي والتنافس بين القوى الكبرى.

لكن الرسالة الأوروبية تبدو واضحة أيضاً، وهي أن عودة لندن للحضن الأوروبي لن تكون تكراراً للعلاقة السابقة، بل ستتطلب التزاماً كاملاً بقواعد العضوية ومسؤولياتها.

ويرى بعض الدبلوماسيين أن بريطانيا لم تُظهر بعد استعداداً فكرياً وسياسياً لتقبل جميع الأعباء التي ترافق العضوية الأوروبية، بينما يعتقد آخرون أن الاتحاد، المكون من 27 دولة، أصبح أكثر قدرة على اتخاذ القرارات بعد خروج لندن التي كانت تشتهر بطلب الاستثناءات والامتيازات الخاصة.

تكتل أوروبي مختلف

لطالما احتفظت بريطانيا بعلاقة استثنائية مع الاتحاد الأوروبي حتى قبل الخروج، إذ رفضت الانضمام إلى العملة الأوروبية الموحدة “اليورو”، كما بقيت خارج منطقة شنغن، وحصلت على خصومات خاصة في مساهماتها المالية داخل الميزانية الأوروبية. كل هذه الاستثناءات يُنظر إليها الآن كتردد بريطاني دائم في الاندماج الكامل بالمشروع الأوروبي.

لكن الاتحاد نفسه لم يعد كما كان في عام 2016. فمنذ ذلك الوقت، دفعت سلسلة من الأزمات الكبرى، من جائحة كورونا إلى الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بصعود الصين وعودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، التكتل إلى تبنّي سياسات أكثر جرأة في مجالات الدفاع والصناعة والاستقلال الاستراتيجي، والاعتماد بشكل أكبر على التمويل المشترك. وهي توجهات، بحسب سيباستيان مايلارد من مركز “تشاتام هاوس”، ربما كانت ستواجه معارضة قوية لو بقيت بريطانيا عضواً.

في المقابل، يؤكد دبلوماسيون أن “بريكست” نفسه ساهم في تقوية الاتحاد الأوروبي، إذ تحول إلى نموذج تحذيري للقوى الشعبوية التي كانت تدعو للخروج من التكتل. وبات النقاش داخل أوروبا اليوم يدور حول شكل الاتحاد ومستقبله، وليس حول فكرة الانسحاب منه، ما يعكس تحولاً جوهرياً في المزاج السياسي الأوروبي.

تقارب حذر ومفاوضات معقدة

رغم الحديث المتزايد عن إمكانية التقارب، فإن الطريق نحو أي عودة بريطانية يبدو طويلاً ومعقداً. فصعود حزب الإصلاح اليميني، المناهض للاتحاد الأوروبي في استطلاعات الرأي، يثير مخاوف أوروبية من احتمال تكرار حالة عدم اليقين السياسي مستقبلاً. كما أن دولاً أوروبية ترى أنه من شبه المستحيل السماح للمملكة المتحدة بالعودة إلى الاتحاد الأوروبي بشروطها التفضيلية السابقة.

في غضون ذلك، تثبت الصعوبات الحالية في المفاوضات الجارية بين الجانبين حجم التحديات القائمة. فقد تعثرت محادثات انضمام لندن إلى برنامج دفاعي أوروبي بسبب الخلافات حول التكلفة الباهظة التي ستتحملها بريطانيا.

كما قوبلت مقترحات بريطانية للانضمام إلى السوق الموحدة للسلع دون الالتزام بحرية حركة رؤوس الأموال والخدمات والأشخاص برفض أوروبي واضح، إذ تصر بروكسل على التعامل مع السوق الموحدة باعتبارها حزمة متكاملة لا يمكن تجزئتها.

الهجرة الإجمالية

لم يؤدِّ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي إلى خفض الهجرة الإجمالية بالقدر الذي وعد به أنصار “بريكست”، بل غيّر مصادرها. فبين عامي 2012 و2016، كان معظم صافي المهاجرين إلى المملكة المتحدة قادماً من دول الاتحاد الأوروبي، بمتوسط 250 ألف شخص سنوياً، مقابل أعداد أقل بكثير من خارج التكتل. لكن بعد استفتاء 2016، تراجع صافي الهجرة الأوروبية بشكل متواصل، من 253 ألفاً إلى 70 ألفاً في 2020، ثم أصبح سلبياً لاحقاً مع تجاوز أعداد المغادرين الأوروبيين للوافدين. 

في المقابل، ارتفع صافي الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي تدريجياً، قبل أن يقفز بقوة بعد تطبيق نظام الهجرة الجديد في 2021، ليصل إلى نحو مليون شخص في 2023. ورغم تراجع صافي الهجرة الإجمالي إلى 308 آلاف شخص في 2025، فإن جميع هذه الزيادة جاءت من خارج الاتحاد. كما لعبت عودة أعداد كبيرة من البولنديين إلى بلادهم، مدفوعة بتحسن الأوضاع الاقتصادية هناك، دوراً رئيسياً في انخفاض أعداد المهاجرين الأوروبيين في بريطانيا.

الشركات الصغيرة تدفع الثمن

اقتصادياً، لا يزال أثر “بريكست” يُلقي بظلاله على آلاف الشركات البريطانية. فقد كشفت دراسة حديثة صادرة عن اتحاد الشركات الصغيرة والمتوسطة في المملكة المتحدة، أن 63% من الأعضاء الذين يتعاملون مع الاتحاد الأوروبي واجهوا حواجز تجارية كبيرة خلال الأشهر الاثني عشر الماضية. ويخطط ثلث الشركات التي شملها الاستطلاع لتقليص أو إيقاف تعاملاتها مع الاتحاد في ظل الإطار القانوني والتنظيمي الحالي.

أكد روان كروزر، رئيس شركة “برانداور” المتخصصة في تصنيع مكونات معدنية دقيقة بمدينة برمنغهام، أن تداعيات الخروج ما زالت ملموسة حتى اليوم. ويقول، إن فترات انتظار وصول المواد الخام ارتفعت بشكل ملحوظ بعد “بريكست”، بعدما كانت الشحنات بين بريطانيا ودول الاتحاد تستغرق يوماً أو يومين فقط.

المفارقة أن الانتقادات لا تأتي فقط من معارضي الخروج. سايمون بويد، رئيس شركة “ريدستيل” المتخصصة في الهياكل الفولاذية وأحد المؤيدين البارزين لـ “بريكست”، يرى أن المشكلة ليست في مغادرة الاتحاد الأوروبي بحد ذاتها، بل في أن بريطانيا لم تستغل الفرصة لتخفيف القيود التنظيمية بالشكل الذي كان يأمله أنصار الانفصال.

تفاقم العجز التجاري

أكد أنصار الانفصال أيضاً أن “بريكست” سيسمح للمملكة المتحدة بزيادة مبادلاتها التجارية مع بقية العالم، فيما كان معارضوه يعتبرون أن قطع العلاقات سيقود إلى كارثة.

والواقع أن صادرات السلع إلى الاتحاد الأوروبي تراجعت من 205 مليار جنيه إسترليني عام 2016، إلى 185 مليار جنيه إسترليني العام الماضي، بالرغم من انتعاشة وجيزة بعد جائحة “كورونا”.

خلال الفترة نفسها، لم تتراجع واردات السلع القادمة من الاتحاد الأوروبي إلا بشكل طفيف، ما أدى إلى تفاقم العجز التجاري للمملكة المتحدة تجاه الاتحاد الأوروبي على مستوى السلع من 113 مليار جنيه إسترليني إلى نحو 140 ملياراً، وفق بيانات المكتب الوطني للإحصاءات.

على صعيد الخدمات، حققت بريطانيا نمواً قوياً في الصادرات إلى جميع أنحاء العالم، والتي ارتفعت من 765 مليار جنيه إسترليني إلى 908 مليار جنيه إسترليني بين 2016 ونهاية 2025. غير أن الواردات الإجمالية ازدادت بنسبة أعلى، ما رفع العجز في الميزان التجاري البريطاني إلى نحو 65 مليار جنيه إسترليني عام 2025، بزيادة 3 مليارات عن العام 2016. 

أيرلندا الشمالية.. المستفيد الاستثنائي

في المقابل، تقدم أيرلندا الشمالية نموذجاً مختلفاً نسبياً. الإقليم بقي مرتبطاً بالسوق الأوروبية الموحدة للسلع حفاظاً على الحدود المفتوحة مع جمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي.

ويقول ديكلان غورملي، رئيس شركة “بروكفنت” لتصنيع أنظمة التهوية، إن شركته تستفيد من وجودها في السوقين البريطانية والأوروبية معاً، وبأن أعماله في أوروبا شهدت نمواً قوياً منذ عام 2016، بينما بقي النشاط داخل بريطانيا شبه ثابت.

ورغم هذه المكاسب، لا يزال غورملي يعتقد أن بقاء المملكة المتحدة بأكملها داخل الاتحاد الأوروبي كان سيكون الخيار الأفضل اقتصادياً.

لا يوجد فائزون

من وجهة نظر ريتشارد ماكينا، العضو المنتدب لشركة “بروفندر نيرسيريز” المتخصصة في النباتات، لا يوجد طرف فائز من “بريكست”، سواء الاقتصاد أو الشركات أو المستهلكون.

يشير ماكينا إلى أن تضخم الإجراءات الورقية رفع التكاليف التشغيلية وزاد أسعار الواردات، ما انعكس مباشرة على أسعار المنتجات النهائية وقدرة المستهلكين على الشراء.

كما يضيف أن ما تتمناه الشركات اليوم ليس أكثر من العودة إلى بيئة تجارية سلسة تسمح بحرية حركة البضائع والتعاون الوثيق مع الشركاء الأوروبيين بعيداً عن الحواجز والقيود التي فرضها الانفصال.

وبينما لا يبدو أن عودة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مطروحة على الأجندة السياسية القريبة، فإن حصيلة العقد الأول من “بريكست” تكشف واقعاً أكثر تعقيداً من الوعود التي رافقت الاستفتاء. فسياسياً، ما زال الجدل مفتوحاً حول مكانة بريطانيا داخل أوروبا، واقتصادياً، تواصل الشركات التعامل مع تبعات قرار لا تزال آثاره حاضرة في التجارة والاستثمار وسلاسل التوريد حتى اليوم.