بينما يدفع العالم ثمن الحرب في الشرق الأوسط عبر فواتير طاقة مرتفعة وتضخم يضغط على ميزانيات الأسر والحكومات، تتدفق مليارات الدولارات إلى خزائن شركات النفط الكبرى. فكل صدمة في الإمدادات وكل قفزة في أسعار الخام تتحول إلى مكاسب استثنائية لقطاع لطالما كان المستفيد الأكبر من أزمات الطاقة العالمية.
الحرب بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن استثناءً؛ فقد أعادت إشعال سوق النفط، ورفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، ومنحت عمالقة الطاقة فرصة لتحقيق أرباح إضافية بمليارات الدولارات. وتكشف التقديرات أن الشركات النفطية الكبرى حصدت خلال فترة قصيرة عوائد استثنائية مرتبطة مباشرة بتداعيات الصراع، في وقت يكافح فيه المستهلكون حول العالم للتكيف مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
30 مليون دولار في الساعة الواحدة
تُدرُّ الحرب، في الساعة الواحدة، أكثر من 30 مليون دولار كأرباح غير اعتيادية على أكبر 100 شركة نفط في العالم. هذه الأرقام سبق أن خلص إليها خبراء منظمة “غلوبال ويتنس” استناداً إلى بيانات من Rystad Energy، الشركة النرويجية المتخصصة في أبحاث الطاقة وذكاء الأسواق وبالتعاون مع صحيفة “الغارديان” البريطانية في أبريل الماضي، حين كشفوا أن عمالقة الطاقة حققوا أرباحاً إضافية قدرها 23 مليار دولار في شهر مارس وحده، أي أول أشهر حرب إيران.
وإذا استمرت الأسعار عند متوسط الـ 100 دولار للبرميل، فقد تتمكن شركات النفط من جمع ما يصل إلى 234 مليار دولار من الأرباح الاستثنائية – وهي أرباح إضافية على الأرباح الاعتيادية – بحلول نهاية العام، في وقت سيستغرق العرض العالمي أشهراً قبل أن يعود إلى طبيعته مع تجدد التوترات وبروز البحر الأحمر كعائق جديد.
رغم ضخامة التقديرات إلا أنها تبقى متحفظة لاعتمادها على أسعار النفط الحالية، والتي لا تظهر ميلاً للتراجع مع استمرار الصراع.
صدمة الطاقة تغذي المكاسب
أدى النزاع، الذي دخل شهره السادس، إلى توقف معظم حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي الذي كان يمر منه قبل الصراع ما يقرب من خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي. ومع محدودية الإمدادات العالمية، ارتفعت أسعار خام برنت، المعيار العالمي، من نحو 70 دولاراً إلى أكثر من 100 دولار للبرميل خلال معظم مارس وأبريل ومايو، ووصلت في إحدى الفترات إلى 126 دولاراً، قبل أن تعود إلى مستويات ما قبل الأزمة لترتد صعوداً مع كل تعثر للمفاوضات.
وصف رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، الحرب في إيران بأنها “أكبر صدمة تعرضت لها سوق الطاقة العالمية على الإطلاق. ولا يوجد بلد بمنأى عنها”، مشيراً إلى التأثير الهائل للحرب التي اندلعت في 28 فبراير. في المقابل، برزت شركات النفط والغاز العالمية الكبرى كأكبر الرابحين اقتصادياً من الصراع، ففي حين قفز سعر برميل النفط بقيت تكلفة إنتاجه دون تغيير ما انعكس أرباحاً استثنائية.
وتأتي هذه الأرباح في وقت يعاني العالم من ضغوط اقتصادية، إذ يواجه المستهلكون والشركات فواتير طاقة مرتفعة، في حين قامت حكومات عديدة بتخفيض الضرائب على الوقود، ما أدى إلى إضعاف إيرادات الخدمات العامة. وفي الاتحاد الأوروبي، ارتفعت فاتورة الوقود الأحفوري بعشرات المليار منذ بداية الصراع.
أكبر الرابحين
أعلنت شركة “إكسون موبيل”، الجمعة، أن أرباحها في الربع الثاني تضاعفت إلى 14.53 مليار دولار، مدعومة بإنتاج الديزل القياسي. وحققت شركة النفط العملاقة، ومقرها ولاية تكساس، إيرادات بقيمة 116.02 مليار دولار، بزيادة 42%. كما ضاعفت “شيفرون”، ومقرها هيوستن، أرباحها أربع مرات تقريباً لتصل إلى 12.07 مليار دولار بعدما قفزت الإيرادات بنسبة 56% إلى 70.06 مليار دولار. فيما سجلت ست من أكبر شركات النفط في أوروبا أرباحاً مجمعة في الربع الأول بلغت 22 مليار دولار، أي أعلى بنسبة 40% عن العام الماضي.
ومن أمريكا إلى روسيا مروراً بالشرق الأوسط يبدو أن المكاسب طالت الجميع. فرغم تعرض منشآتها لهجمات، إلا أن “أرامكو” السعودية تتصدر الرابحين، إذ يقدر أنها ستجني 25.5 مليار دولار إضافية في العام 2026 إذا استقر متوسط سعر النفط عند 100 دولار.
الشركات الروسية “غازبروم” و”روسنفت” و”لوك أويل” هي الأخرى قد تجني مجتمعة 23.9 مليار دولار مرتبطة مباشرة بالحرب في إيران، وفق التقديرات. وقد عزز ارتفاع الأسعار إيرادات موسكو، حيث بلغت 840 مليون دولار يومياً من صادرات النفط في مارس، بزيادة قدرها 50% عن فبراير، ما عزز قوة الكرملين المالية في الصراع مع أوكرانيا.
أما “إكسون موبيل”، فستجني 11 مليار دولار من الأرباح غير الاعتيادية المرتبطة بالحرب. ومنذ بداية النزاع، ارتفعت القيمة السوقية للشركة الأمريكية بمقدار 100 مليار يورو.
شيفرون، هي الأخرى من المتوقع لها أن تجني 9.2 مليار دولار كأرباح استثنائية. ومن المتوقع أن تحصل “شل” على زيادة تُقدّر بـ6.8 مليار دولار في الأرباح، مع ارتفاع قيمتها السوقية بمقدار 28.8 مليار يورو عقب اندلاع الحرب.
إحياء الجدل حول الضرائب
أدت تلك المكاسب إلى إحياء الجدل حول الضرائب على “أرباح الحرب”. وتدرس المفوضية الأوروبية مقترحاً تروج له العديد من دول الاتحاد، يدعو شركات النفط للمساهمة في تمويل إجراءات دعم المستهلكين وكبح التضخم. والهدف كما يراه المدافعون عن المقترح “توجيه رسالة واضحة مفادها أن المستفيدين من الحرب يجب أن يتحملوا نصيبهم من التكلفة الاجتماعية”.
وسبق للمملكة المتحدة إلى جانب الاتحاد الأوروبي فرض ضرائب على أرباح النفط غير المتوقعة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2022. وإن انتهى العمل بها في أوروبا تبقى هذه الضريبة قائمة حتى يومنا هذا في المملكة المتحدة.
في أمريكا، قدم مشرعون ديمقراطيون مشاريع قوانين لفرض ضرائب على منتجي النفط الرئيسيين تخص الأرباح التي يعلنون عنها اعتباراً من العام 2026 فصاعداً، وإعادة توزيع عائدات الضرائب على المستهلكين. والبيت الأبيض أيضاً سبق واقترح أن تحتفظ شركات النفط بنصف الأرباح الفائضة، بينما سيُخصص النصف الآخر لصندوق يُعاد توزيعه على الأمريكيين ذوي الدخل المنخفض من خلال إعفاءات ضريبية.
وتبقى أرباح الحرب الإيرانية التي حققتها شركات النفط والغاز حلقة ضمن ما كان على مدى عقود نشاطاً شديد الربحية. فقطاع النفط والغاز حقق أرباحاً صافية بلغت في المتوسط تريليون دولار سنوياً على مدى نصف القرن الماضي، أي ما يعادل 2.8 مليار دولار إلى 3 مليارات دولار يومياً، وأكثر من ذلك بكثير في سنوات الأزمة مثل العام 2022، عندما اندلعت حرب أوكرانيا، ويبدو أن العام 2026 سيشكل محطة استثنائية أخرى.















