بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق الإنسان

بلا سلطة تنفيذية.. مسارات تأثير لجنة الأمم المتحدة للقضاء على التمييز العنصري داخل مؤسسات الدول

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا تستطيع لجنة الأمم المتحدة إلغاء قانون وطني للقضاء على التمييز العنصري، ولا إلزام برلمان بالتصويت، ولا إصدار حكم تنفيذي على حكومة. وهي لا تملك شرطة تفرض توصياتها أو محكمة تنفذ قراراتها داخل الدول. ومع ذلك، أظهرت مسارات المتابعة المرتبطة بعملها أن توصياتها يمكن أن تدخل النقاش التشريعي والمؤسسي، وأن تدفع الدول إلى تفسير ما اتخذته من إصلاحات، فيما وصلت آراء اللجنة في شكاوى فردية إلى النيابات والشرطة وإجراءات انتصاف لأفراد.

هذه المفارقة هي التي تجعل الدورة الـ118 للجنة، المنعقدة في جنيف بين 10 و25 أغسطس، أكثر من اجتماع دوري آخر في منظومة الأمم المتحدة. فبينما تراجع اللجنة التزام فنلندا وهندوراس والهند والكويت بالاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، وتعد قائمة مسائل قبل تقديم التقرير لإريتريا، وتتابع تنفيذ توصيات سابقة في سبع دول أخرى، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: كيف تستطيع هيئة دولية لا تملك سلطة تنفيذية أن تحدث تغييراً داخل دولة ذات سيادة؟ 

الجواب ليس ما تقوله اللجنة داخل قاعات جنيف فحسب، بل فيما يحدث بعد انتهاء الجلسات، عندما تنتقل توصياتها إلى الوزارات والبرلمانات والمحاكم والنيابات والمؤسسات الحقوقية، وتصبح جزءاً من صراع داخلي على القانون والسياسة وطريقة تطبيقهما.

من يملك تعريف الواقع الحقوقي؟

تتكون لجنة القضاء على التمييز العنصري، المعروفة اختصاراً بـCERD، من خبراء مستقلين يراقبون تنفيذ الدول الأطراف لالتزاماتها بموجب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري.

هي ليست محكمة، كما أنها ليست جهازاً حكومياً أو مجلساً تمثل فيه الدول مصالحها السياسية. لكنها تحمل أهمية تاريخية خاصة؛ إذ كانت أول هيئة من هيئات معاهدات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ومنها تطور لاحقاً النموذج الذي تقوم عليه لجان أخرى لمراقبة الاتفاقيات الدولية.

لكن العنصر الأكثر أهمية في عملها ليس تاريخها بقدر ما هو طريقة بناء المراجعة نفسها. فالدولة تقدم تقريرها الرسمي عن تنفيذ الاتفاقية، لكنها لا تحتكر الرواية.

تستطيع المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني والجهات المعنية تقديم معلومات موازية. ويقرأ خبراء اللجنة هذه المواد إلى جانب التقرير الحكومي قبل أن يدخلوا في حوار علني مع وفد الدولة.

وبذلك لا تصبح المسألة مجرد سؤال عما إذا كانت الحكومة تقول إنها تحترم المساواة، بل عما إذا كانت التشريعات والسياسات والبيانات والممارسة اليومية تدعم هذا الادعاء.

قد تملك الدولة قانوناً متقدماً ضد التمييز، بينما يكشف التطبيق عن صعوبة في الوصول إلى العدالة، أو تفاوت في الحماية، أو غياب بيانات تسمح أصلاً بقياس المشكلة. وهنا تظهر أولى أدوات التأثير: الدولة تستطيع الدفاع عن سجلها، لكنها لا تستطيع وحدها تعريف هذا السجل.

قوة بلا أداة تنفيذ

بعد الحوار مع الحكومة، تصدر اللجنة “ملاحظاتها الختامية”، وتتضمن تقييمها للقضايا التي أثارتها وتوصياتها للدولة. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. هذه التوصيات لا تنفذ نفسها. لا تستطيع اللجنة فرض تعديل قانون أو إقالة مسؤول أو إلزام مؤسسة وطنية باتخاذ إجراء محدد. ولذلك فإن قياس قوتها وفق معيار السلطة التنفيذية سيقود حتماً إلى استنتاج أنها ضعيفة.

لكن آلية تأثيرها مختلفة. أولاً، تحول القضية من خلاف سياسي داخلي إلى التزام دولي موثق تستطيع الأطراف الداخلية الرجوع إليه. ثانياً، تحتفظ بذاكرة مؤسسية للملف. فما تقوله الحكومة في دورة لا يختفي بمجرد انتهاء الجلسة. ثالثاً، يمكن للجنة أن تطلب معلومات إضافية عن بعض التوصيات ذات الأولوية من دون انتظار المراجعة الدورية التالية. ورابعاً، تستطيع المؤسسات الوطنية والمحاكم والبرلمانات والنيابات والمنظمات الحقوقية استخدام الملاحظات الختامية باعتبارها مرجعاً دولياً في النقاش القانوني والسياسي الداخلي.

لذلك فإن قوة CERD ليست قوة أمر مباشر، بل قدرةٌ على إنتاج ضغط ومساءلة ومعيارٌ يمكن تحويله داخلياً إلى فعل. وهنا توجد أيضاً حدودها. إذا لم توجد مؤسسات وطنية مستعدة لاستخدام هذا المعيار، أو لم تكن هناك إرادة سياسية للاستجابة، فقد تبقى التوصيات سنوات داخل دائرة المراجعة الأممية من دون تغيير جوهري. فاللجنة تنتج أداة ضغط، لكنها لا تضمن أن تستخدمها الدولة ضد نفسها.

حين لم يعد تقديم التقرير كافياً

لم تولد أدوات المتابعة الحالية مكتملة. فمع تراكم تجربة اللجنة، أصبح واضحاً أن الاقتصار على قراءة التقارير الحكومية قد يسمح للعملية بأن تتحول إلى تبادل دوري للوثائق، خصوصاً عندما تتأخر الدول في تقديم تقاريرها أو تمر سنوات طويلة من دون مراجعة.

في عام 1991، طورت اللجنة إجراءً يسمح لها بالنظر في تنفيذ الاتفاقية حتى عندما تتأخر دولة لفترة طويلة عن تقديم تقريرها، بحيث لا يصبح الامتناع عن التقرير وسيلة لتعطيل الرقابة.

أما في 1993، بدأت تطوير آليات الإنذار المبكر والإجراءات العاجلة للتعامل مع الحالات التي قد تشير إلى تطورات أكثر خطورة مرتبطة بالتمييز العنصري أو النزاعات.

ثم عززت اللجنة في 2004 آلية المتابعة القائمة، فعدلت القاعدة 65 من قواعد إجراءاتها وأضافت منصب منسق للمتابعة، وعينت المنسق ونائبه في أغسطس/آب من العام نفسه.

وهكذا تغير السؤال تدريجياً، من “ماذا قالت الدولة للجنة؟” إلى “ماذا فعلت الدولة بعد أن قالت اللجنة ما لديها؟”

الدورة الـ118 تعكس هذا المنطق نفسه. فهي لا تنظر فقط في تقارير الدول الأربع الخاضعة للمراجعة، بل تتابع أيضاً توصيات سابقة موجهة إلى بيلاروس والبوسنة والهرسك والإكوادور وكينيا وموناكو والسعودية والمملكة المتحدة. أي أن الجلسة الجديدة لا تمحو الجلسة القديمة.

أوزبكستان: توصيات اللجنة تدخل خطاب الإصلاح القانوني

أحد أكثر أشكال التأثير وضوحاً يظهر عندما تدخل توصية دولية إلى النقاش التشريعي الوطني. في تقارير لاحقة قدمتها أوزبكستان إلى اللجنة، ربطت الدولة صراحة بين توصيات CERD وبين تطور مفهوم التمييز في تشريعاتها.

وأشارت إلى أن مفهوم “التمييز” أُدخل تدريجياً إلى التشريعات والدراسات القانونية، وذكرت ضمن ذلك قانون العمل الذي يحظر القيود أو الامتيازات القائمة على العرق أو الإثنية أو اللغة أو الدين وغيرها من الأسس.

لا يعني هذا أن اللجنة كانت السبب الوحيد وراء الإصلاحات. فالقوانين الوطنية لا تتغير عادة بسبب عامل واحد، بل نتيجة تفاعلات سياسية وتشريعية وقضائية واجتماعية متعددة.

لكن المهم هنا هو أن الدولة نفسها وجدت أنها مطالبة، أمام اللجنة، بشرح كيفية ترجمة التوصيات إلى إطارها القانوني. وتكشف الحالة قناة أولى للتأثير: دخول توصيات اللجنة في المسار الذي تشرح الدولة من خلاله تطور إطارها القانوني، من دون أن يعني ذلك أن اللجنة هي السبب المباشر في كل تعديل تشريعي.

سلوفاكيا: المتابعة تضع إصلاحات إنفاذ القانون تحت الاختبار 

في سلوفاكيا ظهر مسار مختلف. ضمن متابعتها لتوصيات اللجنة، أبلغت الحكومة عن إصلاحات قانونية ومؤسسية دخلت حيز التنفيذ في يناير 2017 لمواجهة الجرائم المرتبطة بالتطرف والكراهية.

وشملت الإجراءات تعديلات في التشريعات وآليات الملاحقة، ومنح وحدة متخصصة داخل الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة صلاحية التحقيق في هذه الجرائم على مستوى البلاد.

مرة أخرى، سيكون من المبالغة القول إن CERD “أنشأت” الوحدة. لكن المثال يوضح شيئاً مختلفاً ويكشف المثال وظيفة مختلفة للمتابعة: مطالبة الحكومة بالعودة إلى اللجنة بتفسير مؤسسي ملموس لما اتخذته من إجراءات، بدلاً من الاكتفاء بخطاب عام عن مكافحة العنصرية.

من الدولة إلى الفرد

القناة الثالثة تظهر عندما لا يتعلق الأمر بتشريع عام أو جهاز حكومي، بل بشخص واحد. في قضية الدنماركي من أصل صومالي محمد حسن غيله، خلصت اللجنة في 2006، بعد النظر في شكوى فردية، إلى وجود انتهاكات للاتفاقية. وأوصت بمنح صاحب الشكوى تعويضاً مناسباً وضمان التطبيق الفعال للتشريعات لمنع تكرار حالات مماثلة. وخلال المتابعة، أبلغت الدنمارك اللجنة بمنح صاحب الشكوى مساعدة قانونية بقيمة 40 ألف كرونة دنماركية.

كما أحيل رأي اللجنة إلى النيابة والشرطة وإدارة المحاكم، ووضع أمام مدير النيابات أثناء إعادة تقييم الإرشادات المتعلقة بالتعامل مع البلاغات الخاصة بالتصريحات التمييزية. وسجلت اللجنة لاحقاً الاستجابة الدنماركية باعتبارها مرضية.

هذه ليست ثورة في النظام القانوني الدنماركي. لكنها توضح أن رأياً صادراً من هيئة دولية غير تنفيذية استطاع الوصول إلى شخص بعينه وإلى مؤسسات الشرطة والنيابة والقضاء.