بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير تحليلي

بغداد تُعمّم لوائح «أوفاك» على مؤسساتها المالية.. العقوبات على شبكات «حزب الله» تختبر هامش العراق بين واشنطن وطهران

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

بدأت بغداد مرحلة جديدة في تعاملها مع شبكات النفوذ الإقليمية المرتبطة بإيران، بعدما اتخذت السلطات العراقية إجراءات مالية ومصرفية مشددة استهدفت شخصيات وكيانات لبنانية مرتبطة بـ”حزب الله”. الخطوة التي جاءت استناداً إلى قوائم العقوبات الأمريكية الصادرة عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، تعكس تحولاً مهماً في موقع العراق داخل معادلة الصراع الإقليمي، حيث لم يعد مجرّد ساحة نفوذ متنافسة، بل أصبح جزءاً من منظومة الضغط المالي التي تقودها واشنطن ضد شبكات التمويل المرتبطة بالمحور الإيراني.

العقوبات تضرب العمق المالي

شملت الإجراءات الجديدة تجميد الحسابات، وفرض قيود على التحويلات المالية، ومنع التعاملات المصرفية مع الجهات المدرجة على لوائح العقوبات، في محاولة لتجفيف القنوات التي تستخدمها شبكات إقليمية لنقل الأموال وإدارة الأنشطة التجارية بعيداً عن الرقابة الدولية.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الحساسية، بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وهو التطور الذي غيّر شكل خطوط الإمداد التقليدية التي اعتمدت عليها إيران لعقود، وجعل العراق أكثر أهمية باعتباره حلقة مالية ولوجستية في المنطقة.

قمة واشنطن وتغيير الحسابات

لم يكن توقيت الإجراءات المالية العراقية منفصلاً عن التحول السياسي الذي تشهده العلاقة بين بغداد وواشنطن، خصوصاً بعد الزيارة التي أجراها رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. فقد حمل اللقاء رسائل تتجاوز الملفات الاقتصادية التقليدية، ليضع مستقبل النفوذ الإيراني في العراق، ومستقبل القطاع المالي العراقي، في صلب المحادثات بين الجانبين.

وتسعى حكومة الزيدي، التي تواجه ضغوطاً اقتصادية وأمنية متزايدة، إلى إعادة بناء الثقة مع المؤسسات الأمريكية والدولية، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على حركة الدولار والرقابة المشددة على التحويلات المالية عبر المصارف العراقية. وفي المقابل، تطالب واشنطن بخطوات عملية تؤكد قدرة بغداد على ضبط النظام المالي ومنع استخدامه كقناة لتمويل شبكات مرتبطة بمحاور إقليمية خاضعة للعقوبات.

من هذا المنطلق، جاءت إجراءات ملاحقة شبكات التمويل المرتبطة بــ”حزب الله” كرسالة سياسية ومالية في آن واحد، تؤكد استعداد بغداد للالتزام بقواعد الامتثال الدولية، مقابل الحصول على دعم اقتصادي وانفتاح أكبر أمام الاستثمارات والشركات الأمريكية.

كما ارتبطت محادثات الزيدي في واشنطن بملف أكثر حساسية يتعلق بالسلاح المنفلت والفصائل المسلحة الموالية لإيران، مع تأكيد أمريكي على ضرورة حصر القوة العسكرية بيد مؤسسات الدولة. وهو ما يجعل المعركة المالية جزءاً من مسار أوسع لإعادة تنظيم المشهد الأمني والسياسي العراقي.

الأسماء والشبكات المستهدفة

ركزت العقوبات على شخصيات وكيانات تعتبرها واشنطن جزءاً من البنية السياسية والمالية الداعمة لـ”حزب الله”. وفي مقدمة الأسماء سليمان فرنجية، رئيس تيار “المردة” والمرشح الرئاسي اللبناني السابق المدعوم من الثنائي الشيعي (أمل وحزب الله)، والذي تتهمه الخزانة الأمريكية باستغلال تحالفه مع الحزب لتعزيز نفوذه السياسي وتلقي دعم مالي لخدمة أهدافه الانتخابية والسياسية.

كما شملت القائمة محمود قماطي، نائب رئيس المجلس السياسي لـ”حزب الله”، والذي تتهمه الولايات المتحدة بالقيام بأدوار مباشرة في إدارة نشاطات الحزب السياسية والتنظيمية، إضافة إلى تنسيق عمليات مالية مرتبطة بشبكات داعمة للحزب.

وطالت الإجراءات أيضاً شبكة الأعمال التابعة لعلاء حسن حمية، والتي توصف بأنها منظومة تجارية ولوجستية عابرة للحدود تمتد بين لبنان وسوريا والعراق وسلطنة عُمان. وتضم هذه الشبكة شركات تجارية وخدمية تستخدم، وفق الاتهامات الأمريكية، كواجهات لتوليد الإيرادات وتأمين الموارد المالية للحزب.

ومن أبرز الكيانات المرتبطة بهذه الشبكة شركة “الشفاء للخدمات الإدارية المحدودة” التي تتخذ من العراق مقراً، والتي أصبحت جزءاً من الإجراءات الجديدة عبر تجميد الحسابات ووقف النشاطات المرتبطة بها.

سجل طويل من العقوبات

لم تبدأ المواجهة المالية الأمريكية مع “حزب الله” وحلفائه مع الحزمة الأخيرة، بل جاءت ضمن مسار متدرج اعتمدته واشنطن خلال السنوات الماضية لاستهداف شبكات النفوذ السياسية والاقتصادية المرتبطة بالحزب. فقد شملت العقوبات شخصيات لبنانية بارزة، من بينها النائب السابق ووزير المالية الأسبق علي حسن خليل، والوزير السابق يوسف فنيانوس، اللذان أدرجتهما وزارة الخزانة الأمريكية في العام 2020 على قوائم العقوبات، متهمة إياهما باستخدام النفوذ السياسي وتقديم دعم للحزب بما يخدم مصالحه داخل مؤسسات الدولة اللبنانية.

كما استهدفت واشنطن رجل الأعمال أدهم طباجة وشركات مرتبطة به، باعتبارها جزءاً من شبكات مالية وتجارية اتهمتها الإدارة الأمريكية بتوفير مصادر تمويل ودعم لوجستي لـ”حزب الله”.

وفي مسار موازٍ، فرضت الولايات المتحدة في العام 2020 عقوبات على جبران باسيل، رئيس التيار الوطني الحر، بموجب “قانون ماغنيتسكي” العالمي، على خلفية اتهامات بالفساد واستغلال النفوذ. وعلى الرغم من أن العقوبات على باسيل لم تُصنّفه كعضو في “حزب الله”، فإن واشنطن ربطت الخطوة بدوره السياسي وعلاقاته التي اعتبرتها مساهِمة في تعزيز نفوذ الحزب داخل النظام اللبناني.

ويكشف هذا المسار أن استراتيجية العقوبات الأمريكية توسعت تدريجاً من استهداف القيادات والجهات المالية المباشرة إلى ملاحقة البيئة السياسية والاقتصادية التي تمنح “حزب الله” القدرة على الحفاظ على نفوذه. أما الحزمة الأخيرة، فتمثل مرحلة أكثر اتساعاً، إذ تنتقل من التركيز على الداخل اللبناني إلى استهداف شبكات إقليمية عابرة للحدود تربط الحزب بساحات أخرى، وفي مقدمتها العراق وسوريا.

رسائل قمة بغداد وواشنطن

لا يمكن فصل هذه الإجراءات عن التحولات السياسية التي شهدتها العلاقة بين بغداد وواشنطن، خصوصاً بعد اللقاء الذي جمع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض.

فالزيارة حملت رسائل تتجاوز الملفات الاقتصادية التقليدية، إذ ركزت على مستقبل الشراكة بين البلدين، وعلى قدرة الحكومة العراقية الجديدة على معالجة ملفين أساسيين: حماية النظام المالي العراقي من مخاطر العزل الدولي، وإنهاء حالة السلاح المنفلت المرتبط بالفصائل الموالية لإيران.

بالنسبة لواشنطن، لم تعد مسألة تدفق الأموال إلى الجماعات المسلحة ملفاً منفصلاً عن مستقبل الاقتصاد العراقي. فاستقرار الدينار العراقي، واستمرار تدفق الدولار، وعودة الشركات الأمريكية إلى السوق العراقية، كلها باتت مرتبطة بقدرة بغداد على إثبات التزامها بمعايير الامتثال المالي الدولي.

ومن هذا المنطلق، فإن تطبيق العقوبات على شبكات مرتبطة بـ”حزب الله” يمثل رسالة سياسية واضحة بأن العراق مستعد للانتقال من سياسة إدارة التوازنات إلى سياسة حماية مؤسساته المالية من استخدامات قد تعرضه لعقوبات دولية.

روما وتغيير قواعد المواجهة

في الوقت الذي كانت فيه بغداد تعيد ترتيب موقعها المالي، كانت العاصمة الإيطالية روما تستضيف جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية المتعلقة بالترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.

وتقوم هذه المفاوضات على معادلة دقيقة: انسحاب إسرائيلي تدريجي من مناطق محددة مقابل تعزيز انتشار الجيش اللبناني وتقليص الوجود العسكري لـ”حزب الله” في المنطقة الحدودية.

وقد انتهت الجولة السادسة اليوم، مع إعلان تقدم في هيكل وآليات «المناطق التجريبية»، والانتقال المتوقع إلى مرحلة فنية. 

وانطلاقاً من هذه المعادلة، اكتسبت العقوبات المالية بعداً إضافياً، إذ تهدف إلى تقليص قدرة الحزب على المناورة السياسية والعسكرية من خلال ضرب موارده الاقتصادية وشبكاته الإقليمية.

فالحزب الذي يعتمد تاريخياً على منظومة تمويل متعددة المسارات يجد نفسه أمام بيئة مختلفة، بعد فقدان جزء من العمق اللوجستي الذي وفرته سوريا سابقاً، وتشديد الرقابة على القنوات المالية التي تمر عبر العراق.

بذلك، تتحول الأدوات المالية إلى جزء من المعركة السياسية، بحيث يصبح الضغط الاقتصادي مكملاً للمفاوضات الدبلوماسية، وليس مجرّد إجراء عقابي منفصل.

العراق يعيد رسم موقعه

تكشف التطورات الأخيرة أن العراق يقف أمام مفترق طرق استراتيجي. فمن جهة، لا تزال إيران تمتلك نفوذاً واسعاً عبر قوى سياسية وفصائل مسلحة، ومن جهة أخرى، تحتاج بغداد إلى علاقات مستقرة مع الولايات المتحدة والمؤسسات المالية الدولية للحفاظ على اقتصادها وجذب الاستثمارات.

لكن المعادلة الإقليمية الجديدة بعد سقوط النظام السوري فرضت واقعاً مختلفاً. فطهران خسرت أحد أهم جسور التواصل مع حلفائها، فيما تحاول واشنطن منع استخدام العراق كبديل مالي ولوجستي لهذا الفراغ.

ولهذا، أصبحت المصارف والتحويلات التجارية جزءاً من المواجهة الجيوسياسية، بعدما انتقلت المعركة من ساحات القتال التقليدية إلى فضاءات المال والامتثال والرقابة الدولية.

إن العقوبات الأخيرة لا تمثل مجرّد إجراء مصرفي، بل تعكس محاولة لإعادة تشكيل قواعد اللعبة في الشرق الأوسط. فبغداد، التي ظلت لسنوات تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين واشنطن وطهران، تجد نفسها اليوم أمام ضغوط لا تسمح بالحياد الكامل.

وفي النهاية، فإن قدرة العراق على حماية اقتصاده، واستعادة ثقة المجتمع الدولي، وجذب الاستثمارات، ستعتمد على مدى نجاحه في بناء مؤسسات مالية مستقلة قادرة على منع استخدام أراضيه كمنصة لشبكات التمويل غير الرسمية.

وهكذا، تتحول بغداد إلى ساحة اختبار حقيقية للاستراتيجية الأمريكية الجديدة: هل يمكن استخدام الأدوات المالية لتقليص نفوذ إيران وحلفائها في المنطقة؟ أم أن شبكات النفوذ الإقليمية ستتمكن من إعادة إنتاج نفسها عبر قنوات جديدة؟