واغادوغو - غلوبال ووتش
واغادوغو - غلوبال ووتش

مقالات مشابهة

إفريقيا

بعد مالي والنيجر.. بوركينا فاسو تغلق آخر أبواب باريس في الساحل وتكرّس نهاية النفوذ الفرنسي

واغادوغو - غلوبال ووتش
واغادوغو - غلوبال ووتش

لم يكن إعلان بوركينا فاسو قطع علاقاتها الدبلوماسية مع فرنسا أزمة عابرة بين واغادوغو وباريس، بل بدا كأنه إغلاق سياسي لمسار طويل من الانفصال المتدرج بين فرنسا ودول الساحل الثلاث: مالي والنيجر وبوركينا فاسو. فالقرار لا يضيف توتراً جديداً فحسب، بل يكرّس تحوّلاً أوسع في المنطقة، حيث لم تعد القطيعة مع باريس مجرد خطاب سيادي أو انسحاب عسكري، بل اتخذت في الحالة البوركينية شكل قطع دبلوماسي مباشر.

القرار الذي أعلنته السلطات البوركينية في 26 يونيو/حزيران، واعتبرت فيه أن شروط الاحترام المتبادل وعدم التدخل والسيادة الوطنية لم تعد متوافرة، جاء ليضع آخر لبنة في جدار القطيعة بين باريس وتكتل عسكري صاعد في قلب الساحل، تشكل من عواصم كانت حتى سنوات قليلة مضت من أبرز ساحات النفوذ الفرنسي في إفريقيا.

بهذا التطور، لم تعد فرنسا خارج المعادلة العسكرية فحسب، بعدما أُجبرت قواتها على مغادرة مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بل باتت أيضاً خارج المعادلة الدبلوماسية المباشرة مع الكتلة التي صنعتها الانقلابات العسكرية والحرب على الإرهاب وتنامي الخطاب المناهض لـ”فرنسا- إفريقيا”.

من باماكو إلى نيامي

كانت مالي نقطة التحول الأولى. فمنذ الانقلابين العسكريين في 2020 و2021، تحولت العلاقة بين باماكو وباريس من شراكة أمنية وثيقة إلى مواجهة سياسية مفتوحة. خرجت القوات الفرنسية، وانتهت “عملية برخان” في مالي، وتقدمت موسكو تدريجياً إلى الفراغ الذي تركته باريس.

ثم جاء انقلاب النيجر في يوليو/تموز 2023 ليشكل ضربة أشد لباريس. فالنيجر لم تكن مجرد شريك عسكري، بل كانت آخر قاعدة مركزية لفرنسا بعد خروجها من مالي وبوركينا فاسو. ومن هناك كانت باريس تأمل في إعادة ترتيب حضورها في الساحل.

لكن المجلس العسكري في نيامي أنهى الاتفاقات العسكرية، وطالب برحيل القوات الفرنسية، ثم دخل في مواجهة دبلوماسية مع باريس بلغت حد إغلاق السفارة الفرنسية وتعليق معظم قنوات التواصل المباشر. وهكذا فقدت فرنسا آخر منصة عملياتية كانت تراهن عليها للبقاء في قلب الساحل.

بوركينا تغلق الباب الأخير

في بوركينا فاسو، لم يكن قرار قطع العلاقات مفاجئاً. فمنذ وصول النقيب إبراهيم تراوري إلى السلطة في العام 2022، اتخذت واغادوغو خطوات متتالية لتفكيك العلاقة مع فرنسا: إنهاء التعاون العسكري، طلب مغادرة القوات، طرد دبلوماسيين، وتبني خطاب سياسي يربط بين السيادة الوطنية والتخلص من الإرث الفرنسي.

لكن القرار الأخير منح هذا المسار بُعداً رمزياً أكبر، لأنه حوّل التباعد السياسي والأمني إلى قطيعة دبلوماسية معلنة. وبذلك اكتملت الصورة داخل تحالف دول الساحل: ثلاث عواصم عسكرية، ثلاث قطيعات مع فرنسا، ومسار إقليمي يحاول إعادة تعريف التحالفات بعيداً عن باريس.

نهاية مرحلة لا نهاية أزمة

لا تعني القطيعة أن فرنسا اختفت تماماً من غرب إفريقيا، ولا أن نفوذها الإفريقي انتهى كلياً. لكنها تعني أن نموذجها القديم في الساحل انهار، النموذج الذي جمع بين الوجود العسكري، والتأثير الدبلوماسي، وشبكات التعاون الأمني والاقتصادي.

والأهم أن هذا الانهيار لم يأت نتيجة قرار فرنسي بالانسحاب فقط، بل نتيجة طرد سياسي وشعبي وعسكري من منطقة كانت تعد اختباراً مركزياً لقدرة باريس على إدارة إرثها الإفريقي بعد الاستعمار.

السيادة والفراغ الأمني

في المقابل، لا يبدو أن خروج فرنسا أنهى الأزمة الأمنية. فالجماعات المرتبطة بـ”القاعدة” و”داعش” عمّقت حضورها في مناطق واسعة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بينما تتجه السلطات العسكرية إلى شراكات جديدة، خصوصاً مع روسيا، من دون أن ينعكس ذلك حتى الآن على تحسن حاسم في الوضع الأمني.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الأنظمة العسكرية كسبت معركة الخطاب السيادي ضد فرنسا، لكنها لم تكسب بعد معركة الأمن. فالساحل لا يزال غارقاً في العنف، والطرق مقطوعة، والمدن محاصرة، والجماعات المسلحة تتمدد في فراغ الدولة.

تخرج فرنسا اليوم من معادلة دول الساحل الثلاث، لكن من يملأ الفراغ؟ هل تستطيع مالي والنيجر وبوركينا فاسو بناء نموذج أمني وسياسي أكثر نجاحاً من النموذج الذي ثارت عليه؟

حتى الآن، تبدو القطيعة مع فرنسا أوضح من البديل. أما الساحل، فيدخل مرحلة جديدة عنوانها السيادة الصاخبة، والتحالفات المتحركة، وحرب مفتوحة لم تعد باريس لاعبها المركزي، لكنها لم تفقد بعد آثارها العميقة في كل تفاصيلها.