كما جرت العادة خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد تنحي الرئيس زين العابدين بن علي عن الحكم إثر انتفاضة وثورة ما زالتا محل جدل، أحيا مئات التونسيين، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ذكرى ميلاد الزعيم الحبيب بورقيبة، مؤسس الجمهورية التونسية التي قامت على أنقاض النظام الملكي في 25 يوليو/تموز 1957، وصاحب مجلة الأحوال الشخصية الصادرة في 13 أغسطس/آب 1956، والتي مثّلت محطة مفصلية في تاريخ المرأة العربية والمسلمة، فضلاً عن كونه باني الدولة التونسية الحديثة.
يرتبط يوم الثالث من أغسطس/آب من كل عام بذكرى ميلاد “المجاهد الأكبر”، وهو اللقب الذي ارتبط به في الوجدان التونسي (ولد في 3 أغسطس/آب 1903). وخلال فترة حكمه، كانت الاحتفالات الرسمية تقام في قصر سقانص بمدينة المنستير، مسقط رأسه، وتستمر نحو شهر كامل بمشاركة مختلف المحافظات.
وكانت تلك الاحتفالات أشبه بمهرجان وطني يشارك فيه الشعراء والمطربون وفرق الفنون الشعبية. وقد عُرف بورقيبة بحبه للشعر العربي القديم والشعر الفرنسي وحفظه للكثير منهما. كما كان يستغل إقامته الصيفية في قصره بسقانص لاستقبال كبار الفنانين التشكيليين والمسرحيين والسينمائيين، الذين كانوا يقضون فترات من الصيف في إقامات خصصت لهم داخل المجمع الرئاسي. واستمرت هذه الاحتفالات السنوية حتى عام 1987، قبل أن يغادر الحكم في السابع من نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
خرج من الحكم ولم يخرج من الذاكرة
منذ ساعات الصباح الأولى، امتلأت منصة “فيسبوك”، الأكثر تأثيراً في الشارع التونسي، بتدوينات تستذكر الزعيم، كما يسميه قطاع واسع من التونسيين، من مثقفين وسياسيين ونساء ورجال وحتى من عامة الناس، الذين يرون فيه قائد الاستقلال وباني الدولة الحديثة، خاصة أنه ارتبط في الذاكرة العامة بنظافة اليد والإخلاص للمشروع الوطني.
ورغم اختفاء مظاهر الاحتفال الرسمي بعيد ميلاده منذ إبعاده عن السلطة إثر التحول الذي قاده زين العابدين بن علي، وزيره الأول آنذاك، فإن ظهور منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها “فيسبوك”، مكّن شريحة واسعة من التونسيين من إحياء ذكرى ميلاده ووفاته في السادس من أبريل/نيسان 2000، واستعادة أبرز إنجازاته.
عودة البورقيبية
رغم سقوط نظام بورقيبة ثم نظام خلفه زين العابدين بن علي في 14 يناير/كانون الثاني 2011، فإن السنوات الأخيرة شهدت عودة لافتة للفكر “البورقيبي”، حتى لدى أجيال لم تعاصر الرجل رئيساً للبلاد، وهو ما يراه أنصاره دليلاً على صلابة مشروعه التحديثي، الذي كانت المرأة والتعليم من أبرز ركائزه.
فبعد أسابيع قليلة من الاستقلال، وقبل إعلان الجمهورية، راهن بورقيبة على تحرير المرأة من خلال إصدار مجلة الأحوال الشخصية في 13 أغسطس/آب 1956، والتي منعت تعدد الزوجات، وحدّت من زواج القاصرات، وأقرت ضرورة موافقة المرأة على الزواج، كما دعمت حقها في العمل والحصول على التعويضات القانونية في حالات الطلاق وحضانة الأطفال.
ويرى أنصار هذا المشروع أن تلك الإصلاحات مثّلت ثورة اجتماعية وثقافية سبقت العديد من التجارب في المنطقة، وأن بورقيبة أدرك مبكراً أن تحديث المجتمع لا يمكن أن يتحقق من دون تمكين المرأة وضمان كرامتها وحقها في التعليم والعمل.
كما نجح، بحسب مؤيديه، في ترسيخ مجانية التعليم وإجباريته، الأمر الذي أسهم في تكوين كفاءات تونسية منتشرة اليوم في مختلف أنحاء العالم.
ويستحضر التونسيون أيضاً السياسة الخارجية التي انتهجها بورقيبة، والقائمة على عدم الانحياز وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، إضافة إلى مقاربته الواقعية للقضية الفلسطينية، التي تجلت في خطاب أريحا عام 1965، ورؤيته الخاصة لتحديث الفكر الديني.
الجدل المتواصل حول الإرث “البورقيبي”
في الوقت الذي أحيا فيه آلاف التونسيين ذكرى الزعيم، واصل خصومه من أنصار بعض التيارات الدينية انتقاد تجربته السياسية والفكرية، في حين يرى مؤيدوه أن كثيراً من المكاسب التي تتمتع بها تونس اليوم في مجالات التعليم والصحة والحريات الشخصية تعود جذورها إلى الدولة التي أسسها.
ومن اللافت أن من بين المحتفين بذكراه شخصيات يسارية ومعارضين تعرضوا للسجن خلال فترة حكمه، لكنهم يعتبرون أن إنجازاته التاريخية تتجاوز أخطاء تجربته السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بمكانة المرأة وبناء مؤسسات الدولة الحديثة.
رحل الحبيب بورقيبة، لكن إرثه السياسي والفكري ما زال حاضراً بقوة في الذاكرة التونسية، بين من يراه مؤسس الدولة الحديثة وسابقاً لعصره، ومن يحمّله مسؤولية جوانب من إخفاقات التجربة السياسية في البلاد.



