أعاد قرار الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني بالعفو عن عدد من المدانين في قضايا التطرف وتخفيف عقوبات آخرين، فتح النقاش مجدداً حول حصيلة تجربة المراجعات الفكرية التي تبنتها موريتانيا منذ أكثر من عقد، بوصفها أحد أبرز نماذج مواجهة التشدد في منطقة الساحل.
جاء القرار بعد حوارات فكرية أجرتها مجموعة من العلماء مع عدد من السجناء المدانين في قضايا التطرف، انتهت إلى إعلان مراجعات فكرية وتخلي أصحابها عن أفكار العنف، وفق ما أكدته رئاسة الجمهورية في بيان رسمي.
كما تداولت وسائل إعلام موريتانية وثائق وتعهدات موقعة من بعض السجناء تضمنت إقراراً بمراجعة الأفكار السابقة والالتزام بنبذ العنف واحترام أمن الدولة والمجتمع.
تجربة مختلفة في الساحل
تبرز أهمية الخطوة الحالية في أنها تأتي في وقت تشهد فيه منطقة الساحل الإفريقي تصاعداً غير مسبوق في نفوذ الجماعات الجهادية، خاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بينما ظلت موريتانيا خلال السنوات الأخيرة بعيدة نسبياً عن موجة الهجمات التي ضربت جيرانها.
الجدير بالذكر أن موريتانيا تعرضت بين عامي 2005 و2011 لسلسلة من العمليات والهجمات التي تبناها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، قبل أن تتجه السلطات إلى تبني استراتيجية متعددة الأبعاد جمعت بين الحسم الأمني والإصلاح الديني والحوار مع السجناء المتشددين.
منذ ذلك الحين، بات ملف “المراجعات الفكرية” أحد أبرز ملامح المقاربة الموريتانية في مكافحة التطرف، إذ جرى إشراك علماء بارزين في مناقشة السجناء حول القضايا الشرعية والفكرية التي تستند إليها الجماعات المتشددة.
ماذا تقول التجربة؟
ربطت وسائل إعلام موريتانية، بينها الوكالة الموريتانية للأنباء وصحراء ميديا والمرابطون، العفو الرئاسي الأخير باستمرار هذا النهج القائم على الحوار والمراجعات الفكرية، معتبرة أن الخطوة تمثل امتداداً لمسار بدأ منذ سنوات ولم ينقطع.
وتختلف التجربة الموريتانية عن كثير من النماذج الأخرى في المنطقة، لأنها لم تعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، بل سعت إلى معالجة الجوانب الفكرية والاجتماعية التي يمكن أن تدفع ببعض الشباب نحو التطرف.
كما ارتبطت هذه المقاربة بإصلاحات دينية وتعزيز دور المؤسسات الرسمية والعلماء المحليين في مواجهة الخطابات المتشددة، إلى جانب تشديد الرقابة على الحدود وملاحقة الشبكات المسلحة.
دور العلماء والقبائل
يقول المحلل والصحافي الموريتاني عبدالله اتفاقة المختار مدير الوكالة الموريتانية للصحافة AMP إن “نجاح التجربة لا يمكن تفسيره فقط بالإجراءات الأمنية أو الحوارات الفكرية داخل السجون”. وأضاف أن “طبيعة المجتمع الموريتاني لعبت دوراً أساسياً في نجاح هذه المقاربة، حيث ساهم العلماء وشيوخ القبائل في بناء جسر بين الدولة والأفراد الذين وقعوا تحت تأثير الأفكار المتشددة”.
وأوضح أن العلماء تولوا مهمة المناصحة والحوار الشرعي وتصحيح المفاهيم، بينما لعب شيوخ القبائل والوجهاء أدواراً مهمة في ترسيخ السلم الاجتماعي واستقبال العائدين ومساعدتهم على إعادة الاندماج داخل مجتمعاتهم.
كما أشار المحلل والصحافي الموريتاني إلى أن هذه الشبكة الاجتماعية التقليدية منحت المراجعات الفكرية بعداً عملياً يتجاوز الجوانب النظرية، وساعدت على تحويل التراجع عن التطرف إلى مسار اجتماعي كامل، وليس مجرد إعلان مكتوب أو تعهد داخل السجن.
نجاح كامل أم نجاح نسبي؟
رغم ما تحققه التجربة الموريتانية من إشادة في المنطقة وخارجها، فإن خبراء في شؤون التطرف يرون أن نجاحها لا يعود إلى المراجعات الفكرية وحدها، بل إلى تداخل عدة عوامل في وقت واحد.
فقد اعتمدت نواكشوط على تطوير قدراتها الأمنية والعسكرية، وتعزيز الرقابة على الحدود الشاسعة مع مالي، ومراقبة المجال الديني، إضافة إلى الحفاظ على قنوات التواصل مع النخب الدينية والقبلية المؤثرة.
يرى هؤلاء أن المقاربة الموريتانية تمثل نموذجاً لدمج القوة الصلبة بالقوة الناعمة، وهو ما يفسر إلى حد كبير قدرة البلاد على تجنب السيناريوهات التي شهدتها دول مجاورة.
سؤال مفتوح
مع العفو الرئاسي الجديد، يعود السؤال الذي رافق التجربة الموريتانية منذ بدايتها: هل نجحت المراجعات الفكرية فعلاً في تجفيف منابع التطرف، أم أنها مجرد حلقة ضمن منظومة أوسع من الإجراءات الأمنية والدينية والاجتماعية؟
لكن المؤكد أن نواكشوط ما زالت متمسكة بهذا الخيار، في وقت تتجه فيه دول عديدة في الساحل نحو المقاربة الأمنية الخالصة، وهو ما يجعل التجربة الموريتانية واحدة من أكثر التجارب استحقاقاً للمتابعة في معركة مكافحة التطرف داخل إفريقيا.















