بعد 25 عامًا على هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، لا تزال الولايات المتحدة عاجزة عن إغلاق الملف القضائي المتعلق بالمتهمين الرئيسيين في الهجمات، رغم مرور أكثر من عقدين على اعتقال أبرز المتهمين، وفي مقدمتهم خالد شيخ محمد، الذي تتهمه السلطات الأمريكية بأنه العقل المدبر للهجمات، إلى جانب وليد بن عطاش، وعلي عبد العزيز علي، ومصطفى أحمد الهوساوي.
بينما تحولت هجمات 11 سبتمبر/أيلول إلى نقطة فاصلة في التاريخ الأمريكي الحديث، وأطلقت ما عرف بمشروع “الحرب على الإرهاب”، بقيت محاكمة المتهمين عالقة في شبكة معقدة من الإجراءات والمنازعات القانونية، لعل أبرزها الجدل حول الأدلة التي حصلت عليها أجهزة الاستخبارات الأمريكية خلال عملية الاستجواب.
قضية المتهمين في الهجمات التي أسفرت عن مقتل نحو ثلاثة آلاف شخص، لم تتحول إلى محاكمة مكتملة كما كان متوقعاً، وإنما دخلت مساراً طويلاً من التحقيقات والمحاكم العسكرية والمنازعات حول الأدلة، قبل أن يحدد القضاء العسكري الأمريكي الخامس من يونيو/حزيران 2028 موعدًا لبدء محاكمة خالد شيخ محمد ورفاقه الثلاثة الملاحقين في القضية، غير أن تحديد موعد المحاكمة لم يضع حداً للتعقيدات، فقد قرر القاضي العسكري استبعاد الاعترافات التي أدلى بها خالد شيخ محمد أمام محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في غوانتانامو عام 2007، بعدما خلص إلى أن الحكومة لم تستطع إثبات أن تلك الأقوال صدرت بصورة طوعية.
المتهم الرئيسي
خالد شيخ محمد ليس متهماً هامشياً في القضية، بل يمثل الشخصية المحورية في الرواية الأمريكية المتعلقة بالتخطيط للهجمات. ووفقاً لصك الاتهام، كان شيخ محمد مرتبطًا بقيادة تنظيم “القاعدة”، وشارك في عملية التخطيط وتنفيذ الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون في 11 سبتمبر/أيلول. ومن ثم فإن إفادته لم تكن مجرد اعترافات عادية لمتهم، وإنما دليلاً محورياً في بناء رواية مباشرة عن التخطيط والتنفيذ والعلاقات بين المشاركين في العملية.
كان المتهمون في البداية خمسة، لكن رمزي بن الشيبة لم يعد جزءاً من القضية بعد أن اعتُبر غير مؤهل للمحاكمة بسبب حالته النفسية، ليبقى خالد شيخ محمد ووليد بن عطاش وعلي عبد العزيز علي ومصطفى الهوساوي في قلب القضية الحالية.
اعتُقل خالد شيخ محمد في باكستان في مارس/آذار 2003، ثم احتُجز وتم استجوابه في منشآت سرية تابعة لوكالة الاستخبارات، وبعد نقله إلى سجن غوانتانامو عام 2006، أدلى خالد شيخ محمد باعترافات واسعة أمام جهات التحقيق، وتحدث عن دوره في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر/أيلول، وهو ما جعل أقواله محوراً أساسياً في ملف الادعاء. لكن الدفاع اعتبر منذ البداية أن هذه الاعترافات لا يمكن فصلها عن سنوات الاحتجاز السابقة لها، ومن ثم لم تعد القضية مقتصرة على مضمون ما قاله خالد شيخ محمد، وإنما أصبحت تتعلق بالظروف التي أحاطت بانتزاع أقواله.
المعركة القانونية
شكلت هذه المسألة جوهر المعركة القانونية التي عطلت القضية لسنوات، فالقضاء الأمريكي، على خلاف الأجهزة الاستخباراتية، لا يتعامل مع المعلومة باعتبارها صالحة لمجرد أن الدولة حصلت عليها، وإنما يبحث في كيفية الحصول عليها، ومدى قانونية إجراءات التحقيق، ولذلك تحولت مسألة الاحتجاز واحتمالية التعذيب من ملف حقوقي منفصل إلى قضية أدلة مباشرة في محاكمة 11 سبتمبر/أيلول.
حاولت الإدارة الأمريكية في مراحل سابقة نقل القضية إلى القضاء الفيدرالي، لكن هذه المحاولات تعثرت، لتعود القضية إلى منظومة اللجان العسكرية في غوانتانامو، وفي عام 2012، وُجهت الاتهامات رسمياً إلى المتهمين أمام لجنة عسكرية، مع إمكانية توقيع عقوبة الإعدام في حال الإدانة. ومنذ ذلك الحين دخل الملف في مرحلة طويلة من الجلسات التمهيدية، التي لم تكن مجرد إجراءات شكلية، وإنما معارك قانونية حول الأدلة والسرية وحقوق الدفاع وتأثير الاحتجاز السابق على أقوال المتهمين.
ومع مرور السنوات، تحولت المحاكمة من قضية جنائية تقليدية إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في تاريخ القضاء العسكري الأمريكي. فكلما اقتربت الإجراءات من مرحلة المحاكمة، عادت أسئلة جديدة حول الأدلة التي ترغب الحكومة في تقديمها، وحول ما إذا كانت تلك الأدلة قد تأثرت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بعملية استجواب المتهمين.
صفقة الإقرار بالذنب
كانت إحدى أبرز محاولات الخروج من هذا المأزق هي صفقة الإقرار بالذنب، التي جرى التوصل إليها في يوليو/تموز 2024 بين الادعاء العسكري وثلاثة من المتهمين، بينهم خالد شيخ محمد، بحيث يقر المتهمون بمسؤوليتهم مقابل نجاتهم من عقوبة الإعدام والحصول على أحكام بالسجن المؤبد، وقد اعتُبرت الصفقة في ذلك الوقت محاولة لإنهاء نزاع قانوني استمر لأكثر من عقدين، خصوصاً في ظل صعوبة الوصول إلى محاكمة مكتملة بسبب الاتهام بالتعذيب والأدلة السرية.
لكن الصفقة أثارت انقساماً سياسياً وقانونياً داخل الولايات المتحدة، إذ رأى معارضوها أن هجمات 11 سبتمبر/أيلول تستوجب محاكمة كاملة مع عقوبة الإعدام، بينما رأى مؤيدوها أنها تمثل الطريق الأكثر واقعية لإنهاء القضية، ومنح أسر الضحايا قدراً من اليقين، بعد سنوات طويلة من الانتظار. وفي أغسطس/آب 2024 تدخل وزير الدفاع الأمريكي آنذاك لويد أوستن، وعطل إتمام الصفقة وأعاد القضية إلى مسارها الطبيعي.
استبعاد الاعترافات يربك الادعاء
في 28 أغسطس/آب 2026، استبعد القاضي اعترافات خالد شيخ محمد أمام محققي مكتب التحقيقات الفيدرالي، التي تم جمعها في يناير/كانون الثاني 2007، وليس تلك التي انتزعت خلال جلسات الاستجواب الأولى في منشآت سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA). ووفق التقارير التي تناولت الحكم، فإن القاضي خلص إلى أن الحكومة لم تستطع إثبات أن الاعترافات صدرت بصورة طوعية، وهي النتيجة التي تمنع الادعاء من استخدامها ضد المتهم في المحاكمة.
قرار الاستبعاد لا يعني تبرئة خالد شيخ محمد، كما لا يعني أن المحكمة خلصت إلى أنه لم يشارك في الهجمات، وإنما يدل على أن نوعاً محدداً من الأدلة والاعترافات لن يكون متاحاً للادعاء بالصورة التي كان يريدها، إذ إن إسقاط الاعتراف أو استبعاد إفادة ما أمام المحكمة، لا يعني إسقاط الاتهام أو إثبات البراءة.
ورغم ذلك، فإن القرار يمثل ضربة مهمة للادعاء، لأن الأمر يتعلق بالشخصية المركزية في ملف الاتهام، ويمكن لأقواله أن توفر رابطاً مباشراً بين التخطيط والاتصالات والمشاركين في العملية، وبالتالي مع استبعاد بعض اعترافاته، يصبح الادعاء مجبراً على اعتماد أدلة مستقلة، مثل سجلات السفر والاتصالات والتحويلات المالية والوثائق والشهادات والروابط التنظيمية، وغيرها من المواد التي يمكن استخدامها لإعادة بناء القضية دون الاستناد إلى الاعتراف وحده.















