بعد أكثر من تسعة عقود على وفاته، ما زال المصلح الاجتماعي والمفكر الطاهر الحداد يثير الجدل في تونس، إذ تستعيد البلاد ما عاناه هذا المثقف المستنير من تعسف واضطهاد على أيدي بعض رموز المؤسسة الدينية وشيوخ جامع الزيتونة، الذين حكموا عليه بالردة وسحبوا منه شهادته العلمية، فواجه البطالة والجوع ومات وحيداً بعد أن اشتدت عليه حملة المحافظين، الذين رأوا في كتابه الصادر سنة 1930 بعنوان “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” دعوة إلى الكفر وموجباً لتكفيره.
رصد الباحث محمد المي هذه الحملة التي تعرض لها الحداد في الصحافة التونسية الناطقة بالعربية بين سنتي 1930 و1932، إذ أحصى في كتابه “موقف الصحافة العربية من الطاهر الحداد وكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع” 124 مقالة موزعة بين الصحف، غلب عليها تبخيس آرائه واتهامه في دينه، بل وصل الأمر إلى حد الدعوة إلى تعنيفه.
محنة مفكر تونسي
الكتاب الجديد يؤرخ للحملة الصحافية التي تشهد على محنة مفكّر تونسي بسبب أفكاره وآرائه ودعوته لتعليم المرأة وتمكينها من حرفة تحقّق لها استقلاليتها المالية. هذه المحنة مفكّر يعدّ اليوم في تونس رمزاً للتحرّر الاجتماعي والنضال النقابي، إذ كان أوّل من كتب عن النقابات، وقد تعرض لقسوة تفوق محنة طه حسين وقاسم أمين، وكان سابقاً لنصر حامد أبوزيد الذي عانى بدوره من المتشدّدين إلى حد الفصل بينه وبين زوجته!
الكتاب الصادر حديثاً في 500 صفحة وثيقة تؤرخ لهذه المحنة. ويقول محمد المي في مبررات نشره هذه الوثائق إن “الذين اهتموا سابقاً بالطاهر الحدّاد لم ينشروا كل المقالات بل اكتفوا بعدد قليل منها، وهذه المقالات تصدر لأول مرّة كاملة لتكشف حجم الضيم الذي تعرّض له هذا المُصلح”.
ويرى المي أنه ظلم أيضاً حتّى بعد الاستقلال، فقد تمّ التقليل من أهمية آرائه مقابل تضخيم دور الحبيب بورقيبة أوّل رئيس للجمهورية، الذي كان وراء صدور مجلة “الأحوال الشخصية” سنة 1956 قبل الإعلان عن النظام الجمهوري، وكانت هذه المجلة مستلهمة من أفكاره ومواقفه. كما ظلم في عهد زين العابدين بن علي، الذي حكم تونس بعد بورقيبة، لتحجيم دور بورقيبة في مسألة حقوق المرأة التي يعتبرها أنصاره أبرز إنجازات الزعيم محرّر المرأة كما يلقّب في تونس.
ضيم وظلم واضطهاد
الكتاب يُنصف الحدّاد ويفضح الذين هاجموه وكفرّوه وتسببوا له في أذى نفسي كبير. في كل المدن التونسية اليوم نجد مؤسسات ثقافية وتعليمية تحمل اسم الطّاهر الحدّاد، لكن قلّة الذين يعرفون ما لاقاه هذا المفكّر من ضيم وظلم واضطهاد.
ولم يكتف المي بجمع المقالات ونسبتها إلى مصادرها الصحافية، بل كتب مقدّمة تعرّف بكل الصحف والمجلاّت التي نشرت هذه المقالات التي تهاجم الحدّاد وكتابه، وتكاد تكون كل المقالات تجمع على التشكيك في إسلام الحدّاد وتبخّس فكره، وعدد كبير منها موقعة بأسماء مستعارة.
الحملة على الحدّاد لم تكن في الصحف فقط، بل إنه تعرّض إلى التعنيف، وهو ما تثبته شهادة صديقه يوسف الرويسي الذي استضافه في مدينة دقاش في الجنوب الغربي التونسي، حيث تتصدّر كتاب محمد المي شهادة الرويسي عن صديقه وزميله في الحزب الدستوري الذي تأسس سنة 1920، وكان الحدّاد ناطقه الرسمي، إذ كفّره حتى رجال الحزب الذي كان من مؤسسيه، حيث قال: “عندما يرونني معه يقولون الطاهر الحداد خائن، والذي يمشي معه خائن، الطاهر الحدّاد كافر والذي يمشي معه كافر”.
يمكن اعتبار الكتاب وثيقة أساسية أيضاً لفهم الجدل الذي عاشته تونس في فترة الثلاثينيات بعد صدور كتاب “امرأتنا في الشريعة والمجتمع”، كما أنّه يوثّق لمعركة فكرية من أشد المعارك شراسة في تاريخ الثقافة العربية.
الكتاب: موقف الصحافة العربية من الطاهر الحدّاد وكتابه امرأتنا في الشريعة والمجتمع
الكاتب: محمد المي
الناشر: مطبعة المغاربية للنشر والإشهار
الثمن: 35 دينار تونسي (12 دولاراً)
عدد الصفحات: 500 صفحة
تاريخ النشر: أبريل/نيسان 2026















