الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

ذكرى تاريخية

بعد ترميمه وإعادة افتتاحه.. “ميلك بار” يستعيد دوره كجسر بين الذاكرة والتاريخ والحياة اليومية

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

لم يعد مقهى “ميلك بار” مجرد فضاء تاريخي في قلب العاصمة الجزائر، فبعد ترميمه وإعادة افتتاحه تحول إلى علامة حيّة على علاقة المدينة بذاكرتها، ومحطة يقصدها الزوار، خاصة أبناء الجالية الجزائرية الذين يعودون إلى البلاد خلال موسم الصيف، في تجربة تثير سؤالاً أوسع يتعلق بكيفية تحوّل الأمكنة التاريخية إلى جزء حي من الذاكرة الحضرية والسياحية في آن واحد.

قبل سنة 1956، شكّل “ميلك بار” فضاءً يرتاده المستوطنون الفرنسيون في قلب العاصمة الجزائر. كان جزءاً من مشهد حضري استعماري قائم على الفصل غير المعلن بين مدينتين: مدينة تُدار لصالح المستوطنين، وأخرى يعيش فيها الجزائريون تحت ثقل القمع والمراقبة اليومية. 

في هذا الفضاء، بدت الحياة عادية في ظاهرها، لكنها كانت امتداداً لبنية استعمارية غير متكافئة في العمق. لكن بتاريخ 30 سبتمبر 1956، تحوّل هذا الفضاء من مقهى عادي إلى علامة فارقة في تاريخ الثورة الجزائرية. ففي لحظة انفجار واحدة، على يد المجاهدة زهرة ظريف، تم تخليدها  في المخيال الشعبي الوطني من خلال الفيلم الشهير “معركة الجزائر” للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو (1966)، دخلت الثورة إلى قلب المدينة الحديثة، وكُسر الإحساس بالحصانة الذي كان يحيط بالأحياء الأوروبية. لم تكن العملية مجرد حدث عسكري، بل إعلان بأن الصراع انتقل إلى مركز المدينة، وأن الجبهة الداخلية لم تعد خارج نطاق المواجهة.

زهرة ظريف: من فعل تاريخي إلى ذاكرة حيّة

تحتل المجاهدة زهرة ظريف بيطاط موقعاً محورياً في ذاكرة “ميلك بار”. فهي إحدى أبرز وجوه معركة الجزائر، ممن استطعن تحويل الصورة النمطية للمرأة الجزائرية في المخيال الاستعماري، لإعادة  تعريف الفعل الثوري في المدينة. لكن في مفارقة إنسانية لافتة، وبينما يعاد افتتاح المكان وعودته إلى الحياة، يتراجع حضور بعض صانعيه الرمزيين، والحديث هنا عن غياب ظريف عن زيارة الموقع لأسباب صحية. 

وبالفعل، لم يعد “ميلك بار” اليوم مجرد مقهى، بل فضاءً شبه توثيقي تتجاور فيه الصور والصحف والشهادات. على جدرانه تُعرض صور المجاهدة زهرة ظريف في شبابها، إلى جانب أرشيف الصحافة الذي وثّق العملية، وصور أخرى لنساء من فدائيات القصبة. هذه العناصر ليست ديكوراً، بل طبقات ذاكرة تُعيد ربط الزائر بتاريخ المكان، وتحوّل التجربة اليومية إلى لحظة استحضار لتاريخ كُتب تحت ضغط السرية والخوف.

لعل أكثر ما ظل يحزّ في نفس المجاهدة زهرة ظريف، واسمها الثوري فريدة، وهي تتحدث عن العمليات الفدائية باستعمال القنابل، ومن بينها عملية “ميلك بار”، وصف الصحافة الاستعمارية لها بـ “العمليات الإرهابية”، ففي حوار معها تضمنه كتاب “عرائس بربروس” (2014)، للباحثة في تاريخ الحركة الوطنية نجود علي قلوجي، تقول: “لقد أطلقوا علينا صفة الإرهابيين وذلك كان منطقهم، منطقنا نحن كان الحرب، وقررنا أن تطولهم هـم أيضاً، لذا أيدنا بل صادقنا على فكرة اللجوء إلى عمليات القنابل. كانت حربهم ضد الشعب ولا أعتقد أنهم استثنوا منها الأطفال أو الرُضّع. كنا فـي حرب، هـم يضربون وكان علينا أن نضرب، لم يشفقوا علينا وما كان علينا أن نشفق عليهم”.

المكان كفضاء للذاكرة والجالية العائدة

بعد إعادة فتحه، بدأ “ميلك بار” يستعيد حضوره تدريجياً في المدينة، ليس فقط كمقهى، بل كمحطة ذاكراتية. ويُلاحظ في الفترة الأخيرة تزايد الإقبال عليه، خاصة من أبناء الجالية الجزائرية الذين يعودون إلى البلاد خلال العطلة الصيفية. هؤلاء الزوار، ومعظمهم من أجيال لم تعش الثورة، يتعاملون مع المكان بوصفه مدخلاً حسياً إلى تاريخ عرفوه عبر الكتب والأفلام والصور، ما يحوّل الزيارة إلى شكل من “سياحة الحنين” التي تربط الفرد بجذوره الرمزية. 

يتقاطع هذا الكلام مع تصريح مسيّر مقهى “ميلك بار” الذي لم يتوان في التأكيد في تصريح للصحافة المحلية، أن إدارة هذا الفضاء “لا يمكن أن تُختزل في تسيير نشاط تجاري عادي” بل هي “مسؤولية تجاه الذاكرة قبل أن تكون مسؤولية تسيير”. ويضيف أن الهدف هو “أن يشعر كل زائر، جزائرياً كان أم أجنبياً، بأن الجزائر تغيّرت، وأن هذا المكان الذي كان شاهداً على مرحلة استعمارية ثم على لحظة مفصلية من الثورة، أصبح اليوم جزءاً من ذاكرة حيّة تُروى داخل فضاء مفتوح للجميع”.

من حدث تاريخي إلى سؤال ثقافي

ما يثير الانتباه في تجربة “ميلك بار” اليوم ليس فقط عودته إلى النشاط، بل تحوله إلى سؤال مفتوح: هل تستطيع المدن أن تدير ذاكرتها خارج منطق المتاحف، وتعيد إدماجها في الحياة اليومية؟ في تداخل بين الاستهلاك اليومي والتاريخ الرمزي. هل تحتاج الجزائر اليوم إلى سياسة ثقافية لتحويل مواقع الثورة إلى فضاءات للذاكرة الحية، تربط الأجيال الجديدة بتاريخها، بدل أن تبقى الذاكرة حبيسة الكتب والمناسبات الرسمية؟ لقد نجحت الجزائر في تخليد أبطالها، لكنها لم تنجح دائماً في تحويل أماكن الذاكرة إلى فضاءات حية. وما أكثرها، فيلا سوزيني مثلاً. من هنا تبدو عودة “ميلك بار” حدثاً يستحق الانتباه، لأنه يقدم نموذجاً مختلفاً، مكان ما زال يؤدي وظيفته اليومية كمقهى، لكنه في الوقت نفسه يحفظ الذاكرة ويعرضها للزوار.

الأبهى في موضوع  “ميلك بار” أنه لم يُرمَّم ليعود إلى ما كان عليه قبل 1956، بل ليعود محمّلاً بكل ما حدث بعد 1956. بمعنى آخر، لم تُمحَ الذاكرة من المكان، بل أصبحت هي وظيفة المكان نفسها. بعض الأماكن تتحول إلى وثائق تاريخية مفتوحة، و”ميلك بار” واحد من تلك الأمكنة التي نجت من النسيان لتصبح جزءاً من السردية الوطنية الجزائرية.