تُعيد الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في روما رسم ملامح مرحلة أمنية جديدة في جنوب لبنان، لا تتعلق فقط بالانسحاب الإسرائيلي أو نزع سلاح “حزب الله”، بل أيضاً بهوية القوة التي ستتولى مراقبة الترتيبات الميدانية بعد انتهاء مهمة اليونيفيل.
المفاوضات التي جرت برعاية أمريكية انتهت من دون اتفاق على منطقة الانسحاب الإسرائيلية التالية، لكنها أحرزت تقدماً في ملف أكثر حساسية: إعداد قائمة مختصرة لدول يمكن أن تشارك في آلية التحقق من نزع سلاح “حزب الله”، على أن تختار واشنطن الدول المشاركة لاحقاً.
وبحسب مسؤول لبناني ودبلوماسيين أجانب، استبعدت إسرائيل والولايات المتحدة فرنسا من هذه القائمة، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز الخلاف بين باريس وتل أبيب إلى إعادة توزيع النفوذ الغربي في جنوب لبنان.
روما تختبر الترتيبات الجديدة
لم تحقق الجولة، التي اختتمت في السادس من آب/أغسطس، اختراقاً في ملف الانسحاب. فقد اقترحت بيروت بلدتي بنت جبيل والخيام لتكونا ضمن مناطق الانسحاب المقبلة، بينما تربط إسرائيل أي توسع في الانسحاب بالتحقق من قدرة الجيش اللبناني على بسط سيطرته ومنع عودة “حزب الله” إلى المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
وتكشف هذه المعادلة اختلافاً جوهرياً في أولويات الطرفين، بيروت تريد تحويل التفاوض إلى مسار يقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل وترسيخ سيادة الدولة، بينما تسعى تل أبيب إلى جعل كل مرحلة من الانسحاب مرتبطة بشروط أمنية واضحة، وفي مقدمتها نزع البنية العسكرية لـ”حزب الله” جنوباً.
الأهم من ذلك، أن آلية التحقق نفسها لم تعد تفصيلاً تقنياً. فلبنان رفض مقترحاً سابقاً بإشراك شركات أمنية خاصة، وأصر على أن تتولى دول رسمية المهمة، فيما تبحث واشنطن وتل أبيب خيارات تشمل إدماج القوة الجديدة ضمن إطار أممي أو إنشاء ترتيبات منفصلة، وهو ما قد يتطلب قراراً جديداً من مجلس الأمن.
باريس تدفع ثمن الخلاف
لا يرتبط استبعاد فرنسا بعامل واحد، بل بتراكم الخلافات السياسية والأمنية بين باريس وتل أبيب. فالأولى اتخذت خلال العام الماضي مواقف أكثر صراحة بشأن الحرب في غزة، واعترفت رسمياً بدولة فلسطين، وهو ما أثار غضب الحكومة الإسرائيلية. كما تصاعد الخلاف بين البلدين حول مشاركة الشركات الإسرائيلية في معرض “يوروساتوري” للصناعات الدفاعية.
لكن العامل الأكثر حساسية يبقى لبنانياً، إذ إن فرنسا من أبرز الدول الأوروبية المشاركة في اليونيفيل، وتتعامل منذ سنوات مع الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الرئيسة القادرة على تثبيت سلطة الدولة في الجنوب. في المقابل، ترى إسرائيل أن باريس تتبنّى مواقف أقرب إلى بيروت، ولا يمكن اعتبارها طرفاً محايداً في آلية مهمتها الأساسية التحقق من نزع سلاح “حزب الله”. وهكذا تحولت فرنسا من دولة صاحبة حضور عسكري وسياسي مؤثر في الجنوب إلى دولة يُنظر إليها إسرائيلياً باعتبارها غير مناسبة لدور أمني جديد.
إيطاليا تملأ الفراغ
تتقدم إيطاليا تدريجاً كأحد أبرز المرشحين للمشاركة في الترتيبات المقبلة، فروما تملك ميزة أساسية تتمثل بحضورها العسكري الكبير داخل اليونيفيل، إلى جانب علاقاتها العملية مع بيروت وتل أبيب واستضافتها الجولة الأخيرة من المفاوضات. ووفق بيانات الأمم المتحدة في تموز/يوليو، تضم اليونيفيل 7448 عنصراً من 47 دولة، بينهم 740 إيطالياً و611 فرنسياً.
لكن صعود إيطاليا لا يعني أن صيغة ما بعد اليونيفيل حُسمت. فما يزال مطروحاً إنشاء قوة متعددة الجنسيات، أو إدخال القوات المشاركة في آلية التحقق ضمن إطار أممي جديد، أو صياغة ترتيبات ثنائية مع لبنان.
وتزداد أهمية هذه الخيارات مع اقتراب نهاية مهمة اليونيفيل. فالقوة الأممية، التي تأسست العام 1978 وعُززت مهمتها بعد حرب 2006، تواصل حالياً مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتنفيذ القرار 1701، لكن ولايتها الحالية تمضي نحو نهايتها، ما يفتح الباب أمام انتقال أمني حساس في منطقة لم تستقر فيها قواعد اللعبة بعد.
واشنطن تمسك بالمفتاح
تبدو الولايات المتحدة اللاعب الأكثر تأثيراً في رسم خطوط هذه المرحلة، على اعتبار أن واشنطن لا تكتفي برعاية المفاوضات، بل تتولى عملياً تحديد إطار آلية التحقق واختيار الدول التي يمكن أن تشارك فيها. وهذا يمنحها قدرة على ضبط التوازن بين مطلب لبنان باستعادة سيادة الدولة، والشرط الإسرائيلي بمنع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ”حزب الله”.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أن وظيفة القوة الجديدة قد تختلف جذرياً عن مهمة اليونيفيل التقليدية. فإذا كانت اليونيفيل تراقب وقف الأعمال العدائية وتدعم الاستقرار، فإن آلية التحقق الجديدة قد ترتبط مباشرة بمراحل الانسحاب الإسرائيلي وبالتأكد من تفكيك البنية العسكرية لـ”حزب الله”. وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: من سيحل محل اليونيفيل؟ بل: من سيحدد قواعد الأمن في الجنوب بعد خروجها؟
الجنوب أمام اختبار السيادة
يحمل استبعاد فرنسا، إذا تأكد رسمياً في الصيغة النهائية، دلالة سياسية تتجاوز باريس نفسها، فهو يشير إلى أن ترتيبات ما بعد اليونيفيل لن تكون مجرد نسخة معدلة من القوة الحالية، بل جزءاً من منظومة أمنية جديدة يجري تصميمها وفق أولويات إسرائيلية وأمريكية أكثر وضوحاً.
وبينما تسعى إيطاليا لتكون أحد أبرز الجسور الأوروبية داخل الترتيب الجديد، تحاول فرنسا الحفاظ على نفوذها السياسي في لبنان من خارج الآلية الأمنية. أما بيروت، فتواجه التحدي الأصعب، وهو ضمان ألا تتحول آلية التحقق من أداة مؤقتة لمواكبة الانسحاب إلى إطار أمني دائم تُرسم قواعده خارج الدولة اللبنانية.
وعليه، فإن المعركة المقبلة في جنوب لبنان لن تكون فقط على الأرض أو على خطوط الانسحاب، بل على مَن يملك تعريف الأمن، ومن يملك حق التحقق، ومن يضع قواعد المرحلة التي ستبدأ بعد اليونيفيل.















