القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

مقالات مشابهة

حقوق الملكية الفكرية

بعد استقالتها.. ملاذان أخيران لحفظ ماء وجه وزيرة الثقافة المصرية بعد اتهامها بالسطو على كتاب

القاهرة - عبدالوهاب داود
القاهرة - عبدالوهاب داود

تأبى قضية اتهام وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي بالسطو على حقوق الملكية الفكرية في كتابها “كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين” أن تلملم أوراقها دون أن تلقي بظلالٍ كثيفة على المشهد الثقافي المصري بصورة عامة، وفي اتجاهات لم تكن في الحسبان، وخصوصًا بعد تقدمها ظهر اليوم باستقالتها لرئيس مجلس الوزراء احترامًا لأحكام القضاء ورفع الحرج عن الحكومة.

جاءت الاستقالة بعد صدور حكم محكمة النقض، وهي آخر درجات التقاضي في القانون المصري، برفض طعن الوزيرة على الحكم بإدانتها، ومع تداول اسم الكاتب الصحفي سيد محمود، كمحرر أدبي مشارك في جمع المادة التاريخية لكتاب الوزيرة، والتساؤلات حول حدود المسؤولية القانونية والأخلاقية للمحرر في ظل احتواء الكتاب على صفحات كاملة منقولة من كتاب آخر للصحفية سهير عبدالحميد، سبق نشره قبلها بعامين بعنوان “سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية”.

كما جاء في بيان صادر عن مجلس الوزراء المصري أن الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة، تقدمت باستقالتها للدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مؤكدة أنها تحترم أحكام القضاء المصري، وأنها تقدمت باستقالتها لترفع الحرج عن الحكومة في هذه القضية الشخصية، مشيرة إلى أنها سوف تستكمل اتخاذ جميع الإجراءات القانونية المتاحة، بما فى ذلك “التماس إعادة النظر” في الأحكام وفقًا لما يتيحه القانون، فممارسة الحقوق القانونية لا تتعارض مع احترام الأحكام القضائية”، وأعلن رئيس مجلس الوزراء قبوله استقالة الوزيرة، متوجهًا لها بالشكر عن جهودها المبذولة خلال الفترة الماضية، ومتمنيًا لها التوفيق في مسيرتها”.

نقل حرفي واقتباسات مطولة

القضية التي شغلت الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي خلال الأيام القليلة الماضية بدأت فصولها قبل نحو عامين، ومنذ ما قبل اختيار الدكتورة جيهان زكي لمقعد وزارة الثقافة، وتحديدًا مع صدور كتاب الوزيرة في 2024 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وكانت وقتها عضوًا بمجلس النواب، ما أثار حفيظة الكاتبة الصحفية سهير عبدالحميد، التي صدر كتابها “سيدة القصر” قبلها بعامين عن دار “ريشة للنشر والتوزيع”، فقررت اللجوء للقضاء بعد قراءتها للكتاب الجديد، وكان أن أقامت دعوى أمام المحكمة الاقتصادية ضد الدكتورة جيهان زكي تتهمها فيها بنقل أجزاء كاملة من كتابها، مؤكدة أن نسبة النقل تصل إلى 50%.

ورغم أن الدكتورة جيهان زكي ذكرت اسمها مرتين في المراجع، قالت سهير عبدالحميد: “هذا لا يعطيها الحق في نقل أجزاء كاملة”، وأوضحت في أحاديث صحفية، وعلى صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي، أن “اللجنة التي شكلتها المحكمة أثبتت وقوع اعتداء على حقوق الملكية الفكرية لكتابي”، ولم تكتف المحكمة بالحكم بحذف الأجزاء المقتبسة، بل قضت بإعدام كتاب الدكتورة جيهان زكي، وإلزامها بدفع تعويض 100 ألف جنيه لصالح المدعية، بالإضافة إلى سحب الكتاب محل النزاع من الأسواق، وعدم إتاحته للبيع أو التداول، خصوصًا بعدما أثبت تقرير اللجنة الثلاثية لخبراء الملكية الفكرية وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة تطمس الحدود بين العملين، وتنال من الطابع الإبداعي للمصنف الأصلي.. 

وبناء على ذلك، قامت الوزيرة بالاستئناف على الحكم، وتم تأييده، فكان أن لجأت إلى نقض الحكم في سبتمبر/ أيلول 2025، وهي الدرجة الأخيرة من درجات التقاضى، حيث تقدمت بطعنين استندت فيهما إلى أن ما قامت به يندرج تحت بند “الاقتباس المباح”، فيما قال الدكتور ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، في أول رد فعل حكومي رسمي حول القضية، أن “نقد اختيار أي مسؤول من الناحية السياسية حق يكفله الدستور”، وأوضح خلال مؤتمر صحفي في فبراير/ شباط الماضي، أنه “من حق أي مواطن إبداء رأيه في مدى ملاءمة أي وزير لتولي منصبه، إلا أن نقل الأمر إلى ساحة الاتهام الجنائي يستوجب مستندات ووقائع محددة”، وأن “الملف لا يزال منظورًا أمام محكمة النقض بناءً على طعن من النيابة العامة، وليس من الوزيرة نفسها”، مؤكداً “أنه في حال صدور حكم بات من محكمة النقض، سيجتمع مجلس الوزراء لاتخاذ القرار المناسب وفقًا للقانون، سواء باستمرار الوزيرة في منصبها أو باتخاذ الإجراءات اللازمة حال ثبوت الاتهامات أو عدم صحتها”.

الدكتورة جيهان زكي (يمين) والكاتبة سهير عبدالحميد (يسار)

محكمة النقض أصدرت حكمها صباح أمس الإثنين الماضي برفض طعني الوزيرة، وتأييد الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبدالحميد، لتبدأ رحلة التساؤلات حول مصير الوزيرة، وحدود المسئولية القانونية والأخلاقية لمحرر الكتاب، وجامع المادة العلمية “المسطو عليها”، وما يمكن أن تتحول إليه الأمور، خصوصًا مع اختيار الجامعة الأمريكية لذات الصحفي المسئول عن تحرير كتاب الوزيرة كعضو في لجنة تحكيم جائزتها السنوية للرواية العربية والتي تحمل اسم الكاتب الكبير نجيب محفوظ، والمقرر الإعلان عنها خلال شهر أغسطس/ آب المقبل، في ذكرى ميلاد أديب نوبل العربي الكبير.

محاولات تصالح بلا ضغوط

في أول تعليق لها على حكم محكمة النقض قالت الكاتبة الصحفية والروائية سهير عبدالحميد أن “القضية لم تكن يومًا خلافًا شخصيًا مع وزيرة الثقافة الدكتورة جيهان زكي، وإنما معركة قانونية للدفاع عن حقها الأدبي والفكري”، وأوضحت أنه بعد اطلاعها على كتاب الوزيرة عندما كان مقررًا مناقشته في إحدى ندوات الهيئة المصرية العامة للكتاب خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب، اكتشفت وجود أجزاء كبيرة منقولة من كتابها، وقالت أن الاقتباس لم يقتصر على المعلومات فقط، وإنما شمل طريقة تنسيقها وعرضها وتحليلها، فضلًا عن المصادر الخاصة التي توصلت إليها خلال إعداد كتابها، موضحة أن مؤلفها كان ثمرة بحث استقصائي، وأن ما اعتبرته الأخطر هو نقل أسلوبها الكتابي.

وقالت عبدالحميد إن “لكل كاتب بصمته الإبداعية التي تمثل جزءًا من ملكيته الفكرية”، مشيرة إلى أن “صفحات كاملة جرى نقلها، بما تجاوز النسب القانونية المسموح بها للاقتباس في الأبحاث والكتب”، وأنها توجهت في البداية إلى الهيئة المصرية العامة للكتاب بصفتها جهة النشر، فكان ردها أن الناشر غير مسؤول عن المحتوى وعليها اتخاذ الإجراءات القانونية التي تحفظ حقها”.

وزيرة الثقافة مع محرر كتابها سيد محمود في ندوة مناقشة الكتاب بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2026 (أرشيفية)

وكشفت سهير عبد الحميد أنه طوال فترة التقاضي لم يحدث أي تواصل مباشر بينها وبين الدكتورة جيهان زكي، كما لم تصلها أي اتصالات من شخصيات أو جهات رسمية قبل أو بعد صدور الحكم، وأن أحدًا لم يتدخل في القضية، ولم تُمارس عليها أي ضغوط رسمية للتنازل أو التصالح، لكنها تلقت محاولات وساطة غير مباشرة من بعض الأطراف لإقناعها بالتنازل عن الدعوى، وكان ردها دائمًا الرفض، خصوصًا وأن مطلبها منذ البداية لم يكن الحصول على مقابل مادي، وإنما الحفاظ على حقها الأدبي والفكري، بوقف تداول الكتاب محل النزاع.

الملاذ الأخير للوزيرة

بصدور حكم محكمة النقض، لم يبق أمام وزيرة الثقافة غير بابين وحيدين للخروج من ذلك المأزق والحفاظ على ماء وجهها من تهمة السطو الفكري، أحدهما ما أعلنت عنه “مؤسسة علاء عابد للمحاماة”، الوكيل القانوني للوزيرة، والتي كشفت صباح الثلاثاء عن اعتزامها استغلال النافذة الأخيرة في القضية من خلال تقديم “التماس بإعادة النظر”، وهي النافذة الاستثنائية التي فتحها القانون المصري لمثل هذه الحالات، وقالت المؤسسة في بيان أنها سوف تتقدم بالالتماس فور إيداع أسباب الحكم، خصوصًا أنها ترى القضية كمسألة فنية خلافية في مجال الملكية الفكرية.

أما الباب الثاني فيعتمد على احتمالات خروج الكاتب سيد محمود، محرر كتاب الوزيرة، عن صمته، والكشف عن مدى استعانته بكتاب “سيدة القصر” في تجميع المادة العلمية لكتاب “ضفائر التكوين”، خصوصًا وأنه وصف كتاب الوزيرة باعتباره “مغامرة فنية تغلب عليها فى أحيان كثيرة لغة التخييل الأدبي، ويطغى عليها الطابع العاطفي المنحاز لاعتبارات التضامن النسوي المعتادة في مثل هذه الكتابات”، وقال في مقدمته للكتاب والتي جاءت تحت عنوان “حوار تاريخى بين امرأتين فى سحب الغياب”، ما نصه: “كتبت المؤلفة كتابها بالحماس الذي اعتدته منها، أنا وغيري ممن راقبوا الطريقة التى تعمل بها، فقد وصفتها في مناسبة سابقة بذات الهمة، وهى كذلك بالفعل، لا تكف عن الحركة أو التفكير أو العمل لتأكيد حقيقة واضحة، هى أن المرأة تستطيع بالمثابرة والعطاء أن تميز نفسها فى مجال العمل العام من موقع الندية والقيادة”.

وقال الكاتب والإعلامي الدكتور محمد الباز في مقال بجريدة “حرف” الثقافية المتخصصة في فبراير/ شباط الماضي ما نصه: “بقى شىء مهم فى هذه القضية، فقد بدأت بعض إشارات تتجه إلى الكاتب الصحفى سيد محمود الذي كتب مقدمة كتاب جيهان زكى، بعضها بالتصريح وبعضها بالتلميح إلى أنه لم يكن محرر الكتاب فقط، ولكن هو من قام بجمع المادة البحثية له، ووجود محرر للكتاب لا شىء فيه، كما أن وجود من يجمع مادة بحثية للكاتب لا شىء فيه أيضًا، فهذا معروف فى عالم الكتابة والبحث، فهل، لو صح هذا الكلام، يكون سيد محمود هو المدان فى هذه القضية، ويكون هو من ورط الوزيرة بأخطائه في جمع المادة؟ مضيفًا: “أعرف سيد محمود جيدًا، وأعرف دأبه وأمانته وإخلاصه للعمل الثقافى، ولذلك أعتقد أنه لا بد أن يتحدث، أن يقول ما عنده، خاصة أنه لم يكتب شيئًا على صفحته ولم يعلق على هذه القضية، رغم أنه لا يترك شيئًا صغيرًا أو كبيرًا إلا وكتب عنه وعلق عليه”.

قضية تتجاوز حدود النزاع القانوني

في النهاية، تتجاوز هذه القضية حدود نزاع قانوني بين مؤلفين، أو استقالة مسؤول حكومي، لتفتح بابًا واسعًا أمام مراجعة منظومة إنتاج المعرفة والنشر في المؤسسات الثقافية، وحدود المسؤولية بين المؤلف والمحرر والناشر، ومدى كفاية آليات التدقيق العلمي قبل إصدار الكتب. وبينما يبقى الباب القانوني مفتوحًا أمام الوزيرة عبر التماس إعادة النظر، فإن الحكم البات والاستقالة قد رسما بالفعل أثرًا يصعب محوه في الذاكرة الثقافية المصرية. وربما تكون القيمة الأهم التي أفرزتها هذه القضية أنها أعادت التأكيد على أن حماية الملكية الفكرية ليست ترفًا قانونيًا، بل ركيزة أساسية لصون الإبداع والثقة في المؤسسات الثقافية، وأن المكانة الأكاديمية أو المنصب العام لا يمكن أن يشكلا استثناءً من قواعد المحاسبة واحترام حقوق أصحاب الأعمال الفكرية.