بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

حقوق وحريات (2-2)

بعد أكثر من قرنين على انتفاضة هايتي.. العالم يفتح ملف العبودية من جديد: اعتراف أممي يدخل معركة التعويضات

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

في الثالث والعشرين من أغسطس/آب 1791، بدأت في مستعمرة سان دومينغ الفرنسية انتفاضة للعبيد تحولت لاحقاً إلى أحد أهم فصول الثورة الهايتية، وأسهمت في تقويض نظام العبودية قبل استقلال هايتي عام 1804.

لهذه الدلالة اختارت اليونسكو هذا اليوم من كل عام لإحياء ذكرى تجارة الرقيق وإلغائها، بموجب القرار 29 C/40 الذي أقرته المنظمة في دورتها التاسعة والعشرين عام 1997. وكان الهدف أن تبقى تجارة الرقيق حاضرة في الذاكرة الجماعية، وأن تُناقش أسبابها وآثارها والعلاقات التي صنعتها بين إفريقيا وأوروبا والأمريكتين والكاريبي.

لكن ذكرى 2026 تأتي وقد تجاوز النقاش إلى حد بعيد سؤال الذاكرة. فخلال أشهر قليلة، انتقل ملف تجارة الرقيق من المناسبات التذكارية ومطالب المجتمع المدني إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومؤسسات الاتحاد الإفريقي، وقمم إفريقية-كاريبية تعمل على صياغة هياكل قانونية وسياسية للتعويض.

والسؤال لم يعد فقط: كيف يتذكر العالم نظاماً نقل نحو 12.5 مليون إفريقي قسراً عبر الأطلسي، وصل منهم نحو 10.7 ملايين إلى الأمريكتين؟ بل أصبح: هل يؤدي الاعتراف بالضرر التاريخي وآثاره الممتدة إلى التزامات معاصرة، ومن يتحمل كلفتها؟

قرار أممي إلى مستوى جديد

جاء التحول الأبرز في 25 مارس/آذار 2026، عندما تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار A/RES/80/250، الذي وصف الاتجار بالأفارقة المستعبدين ونظام الاسترقاق القائم على التصنيف العرقي بأنهما “أشد جريمة ضد الإنسانية”.

حصل القرار، الذي قادته غانا بدعم إفريقي، على 123 صوتاً مقابل ثلاثة أصوات معارضة و52 امتناعاً. وصوتت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين ضده، بينما امتنعت دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة ودول غربية أخرى.

القرار غير ملزم قانونياً، لكنه يتجاوز لغة الإدانة التاريخية. فهو يدعو إلى حوار بحسن نية بشأن العدالة التعويضية، وإلى إعادة الممتلكات الثقافية والوثائق والآثار إلى بلدانها الأصلية، ويتناول الاعتذار والتعويض وغيرها من أشكال الجبر. وهنا بدأت المعركة السياسية الحقيقية.

بناء مؤسسات التعويض

بعد أقل من ثلاثة أشهر، بدأت إفريقيا والكاريبي محاولة تحويل الزخم السياسي إلى هياكل دائمة. ففي يونيو/حزيران عقدت لجنة خبراء الاتحاد الإفريقي بشأن التعويضات، ومجموعة خبرائه القانونيين، ولجنة التعويضات التابعة لـ”كاريكوم” (الجماعة الكاريبية) أول اجتماع مشترك بينها، واتفق المشاركون على إنشاء هيكل تنسيق ثلاثي واجتماعات دورية، والعمل المشترك في البحث والاستراتيجية القانونية والتحرك الدبلوماسي والتعليم والثقافة.

وفي أكرا، اجتمع ممثلون عن دول إفريقية وكاريبية وخبراء ومنظمات دولية في مؤتمر “الخطوات التالية”، الذي أنتج إطاراً من 19 نقطة للعدالة التعويضية، إلى جانب إنشاء ثلاث آليات دولية متخصصة: مجلس استشاري للعدالة التعويضية، وفريق لاستعادة الممتلكات الثقافية، وفريق قانوني لتطوير المسارات القانونية للمطالبات.

ولم يُختزل الإطار في دفع تعويض مالي مباشر. فالمطالب تشمل اعتذارات رسمية، وتعويضات، وتخفيف الديون، وإنشاء صندوق عالمي، وإعادة الممتلكات الثقافية والرفات البشرية، وإصلاحات في الحوكمة والمؤسسات الدولية، وأبعاداً مرتبطة بالعدالة المناخية والتعليم والعودة والارتباط بالشتات الإفريقي.

وفي يوليو/تموز، اعتمد قادة “كاريكوم” نسخة منقحة من خطتهم ذات النقاط العشر، وأكدوا استمرار التنسيق مع الاتحاد الإفريقي ونقل الملف إلى اجتماعات دولية لاحقة، بينها قمة الكومنولث المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني.

التعويض ليس “شيكاً” واحداً

هذا التوسع في تعريف العدالة التعويضية يفسر جانباً من الجدل. فالمطالب التي تطرحها الدول الكاريبية والإفريقية لا تقوم على نموذج موحد يقول إن دولة بعينها يجب أن تحول مبلغاً محدداً إلى دولة أخرى.

هناك مطالب باستعادة آثار موجودة في متاحف أوروبية، وأخرى باعتذارات رسمية، ومسارات تتعلق بالديون والتنمية وإصلاح المؤسسات المالية، إضافة إلى مقترحات للعودة والمواطنة لأفراد الشتات.

وخلال زيارته جامايكا في أغسطس/آب، قال الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما إن النقاش تجاوز إثبات وقوع الظلم التاريخي إلى البحث عن وسائل عملية لمعالجة آثاره، مؤكداً أن العدالة التعويضية تشمل إلى جانب المال الحقيقة والمساءلة والاستعادة والتعليم والتعاون الثقافي.

كما أعلنت جامايكا وغانا تعميق تعاونهما في الملف، وربطه ببناء هيكل دولي أكثر انتظاماً للعدالة التعويضية.

الاعتراف لا يعني تحمّل المسؤولية

ورغم حصول القرار الأممي على أغلبية واسعة، فإن نتيجة التصويت تكشف أن الطريق إلى التعويض أكثر انقساماً من الطريق إلى إدانة العبودية.

فالولايات المتحدة ودول أوروبية أثارت اعتراضات قانونية وسياسية، من بينها أن وصف تجارة الرقيق بأنها “أشد” جريمة ضد الإنسانية قد ينشئ تراتبية بين الجرائم، وأن استخدام مفاهيم القانون الدولي المعاصر لتقرير المسؤولية عن أحداث سابقة لظهور النظام القانوني الحالي يثير إشكالية الأثر الرجعي.

ويظهر خلف هذه الحجج نزاع أوسع حول امتداد المسؤولية بين الأجيال.

أنصار التعويض يقولون إن المطالبة لا تقوم على تحميل الفرد المعاصر “ذنب” أسلافه، وإنما على معالجة آثار تراكمت داخل دول ومؤسسات واقتصادات ما زال بعضها قائماً حتى اليوم.

أما المعارضون فيخشون أن يتحول هذا المنطق إلى مسؤولية غير محددة زمنياً أو مالياً، مع صعوبة الاتفاق على من يعد ضحية، ومن يعد مسؤولاً، وكيف يحسب الضرر بعد مرور قرون.

من يدفع.. ولمن؟

هذه هي الفجوة التي لم تحلها قرارات 2026. فلا توجد حتى الآن صيغة دولية ملزمة تحدد قيمة التعويضات، أو قائمة موحدة بالدول والمؤسسات المسؤولة، أو طريقة معتمدة لحساب الضرر، أو كيفية توزيع أي موارد محتملة.

كما تختلف الأولويات داخل حركة التعويض نفسها. فبالنسبة إلى بعض الحكومات، قد يكون تخفيف الديون وإصلاح النظام المالي أكثر تأثيراً من التعويض النقدي. وبالنسبة إلى مجتمعات أخرى، تمثل استعادة الممتلكات الثقافية أو الاعتذار الرسمي أو حق العودة جزءاً مركزياً من العدالة.

وهذا التنوع قد يكون مصدر قوة لأنه يوسع الخيارات، لكنه يجعل الانتقال من إعلان سياسي إلى اتفاق تفاوضي أكثر صعوبة.

من سياسة الذاكرة إلى سياسة الكلفة 

لهذا تحمل ذكرى 23 أغسطس هذا العام معنى مختلفاً. اليونسكو أنشأت المناسبة لترسيخ ذاكرة تجارة الرقيق ومقاومتها. وبعد نحو ثلاثة عقود من اعتماد اليوم الدولي، باتت هذه الذاكرة تتحرك داخل المؤسسات الدبلوماسية بوصفها أساساً لمطالب سياسية واقتصادية وقانونية.

قرار الجمعية العامة لم يفرض تعويضات، وإطار أكرا لا يلزم الدول الأوروبية أو الأميركية بالدفع. كما أن خطط إفريقيا والكاريبي لا تزال تحتاج إلى تفاوض مع الأطراف التي تطالبها بالاعتذار والإصلاح.

لكن شيئاً تغير بالفعل: لم يعد ممكناً إدارة الملف فقط عبر نصب تذكارية واحتفالات ومناهج تاريخية.

فالخطوة التالية أصبحت مرتبطة بالسؤال الذي حاولت غانا و”كاريكوم” والاتحاد الإفريقي طرحه على العالم خلال 2026: إذا كان المجتمع الدولي يعترف بأن نظاماً تاريخياً خلق أضراراً امتدت بعد انتهائه، فأي نوع من الإصلاح يجعل ذلك الاعتراف أكثر من مجرد ذكرى؟

بين انتفاضة سان دومينغ والجمعية العامة للأمم المتحدة أكثر من قرنين. لكن ذكرى 23 أغسطس تكشف أن النزاع على الماضي دخل مرحلة جديدة: لم يعد الخلاف فقط حول ما حدث، بل حول ما إذا كان الاعتراف بما حدث يستوجب كلفة في الحاضر.