تشهد المملكة المتحدة تصاعداً خطيراً في الميل إلى الأيديولوجيات المتطرفة، إذ أُحيل نحو 10,000 شخص إلى برنامج الحكومة للوقاية من التطرف المعروف بـ(Prevent)، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ بدء السجلات، مع زيادة حادة في البلاغات المرتبطة بـ”البيض” وآراء اليمين المتطرف، مقابل تراجع طفيف في التطرف المرتبط بالأيديولوجيات الإسلاموية.
كشف تقرير وزارة الداخلية الذي نُشر اليوم الخميس، أن برنامج (Prevent) الذي يعد المكون الوقائي لإطار مكافحة الإرهاب في المملكة المتحدة، قد تلقى رقماً قياسياً بلغ 10,293 بلاغاً عن 9,957 شخصاً خلال الفترة المنتهية في سبتمبر 2025. إذ شهد البرنامج، الذي يهدف إلى منع انجرار الأفراد إلى الإرهاب، ارتفاعاً في الإحالات بنسبة 39% مقارنة بـ7,408 إحالات في الاثني عشر شهراً السابقة.
ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية، يُعدّ هذا أعلى عدد سنوي للإحالات منذ بدء تسجيل البيانات في العام 2015.
ارتفاع أعقب هجوم ساوثبورت
سُجلت زيادة مطردة في البلاغات عقب هجوم ساوثبورت في يوليو/تموز 2024. وكان مرتكب جريمة قتل ثلاث فتيات صغيرات، ويدعى أكسل روداكوبانا – الذي كان يبلغ من العمر آنذاك 17 عاماً وحُكم عليه لاحقاً بالسجن 52 عاماً – قد تم رصده عدة مرات من قبل هذا البرنامج. مع ذلك، تم إغلاق قضيته في كل مرة لأن المسؤولين خلصوا إلى عدم وجود دليل واضح على اعتناقه أيديولوجية متطرفة.
وقالت وزارة الداخلية: “قد يعكس ازدياد حالات الإحالة هذا العام، جزئياً، ارتفاع مستوى الوعي العام ببرنامج (Prevent) في أعقاب حادثة ساوثبورت من نفس الشهر 2024”.
وتُظهر الأرقام أن 2103 حالات بلاغ (20%) كانت مرتبطة بمخاوف بشأن أيديولوجية اليمين المتطرف، مقارنة بـ1480 حالة خلال الاثني عشر شهراً التي سبقت.
وقد ارتفعت البلاغات المتعلقة باليمين المتطرف بأكثر من 40% مقارنة بالفترة السابقة، في ظلّ تزايد الدعم لحزب “إصلاح المملكة المتحدة” المناهض للهجرة في استطلاعات الرأي، وبروز شخصيات يمينية متطرفة مثل ستيفن ياكسلي لينون، المعروف باسم تومي روبنسون.
تراجع بلاغات “التطرف الإسلامي”أ
سجلت البلاغات المتعلقة بـ”التطرف الإسلامي” انخفاضاً طفيفاً إلى 860 إحالة (8%)، بعد أن سجلت 945 إحالة سابقاً. غير أن نسبة الحالات التي تُعتبر خطيرة بما يكفي للاستفادة من برنامج وقائي مُحدد، قد زادت.
ويؤكد التقرير الرسمي أن “الإرهاب الإسلامي لا يزال يُمثل التهديد الإرهابي الرئيس في المملكة المتحدة”، إذ لا يزال عند المستوى “الخطير”، ثاني أعلى مستوى (من أصل خمسة).
مع ذلك، لا تزال غالبية الحالات (56%) مُصنفة على أنها “بدون أيديولوجية مُحددة”، ما يعكس “مشهداً أيديولوجياً مُتزايد التشرذم”، بحسب التقرير.
وقد سُجّلت 818 إحالة (8%) متعلقة بالانجذاب إلى العنف الشديد أو الهجمات التي تُسفر عن سقوط ضحايا جماعيين، و95 إحالة (1%) تتعلق بتطرف “العزوبية القسرية”، و32 إحالة (0.3%) تتعلق بالتطرف اليساري، بينما شملت 353 إحالة أخرى (3%) أيديولوجيات متعددة، دون تحديد أيديولوجية مهيمنة.
التركيبة العرقية: غلبة تطرف “البيض”
نشرت وزارة الداخلية بيانات عن التركيبة العرقية للأشخاص المُحالين إلى برنامج الوقاية من التطرف رغم أن تقديم هذه المعلومات في استمارة الإحالة الخاصة لا يعد إلزامياً، ما يعني أن الأرقام تشمل 5315 إحالة خلال العام المنتهي في سبتمبر/أيلول 2025، أي ما يُقارب 52% من الإجمالي.
من بين هذه الإحالات، شملت 3600 حالة (68%) أشخاصاً مصنفين على أنهم من “البيض”، و949 حالة (18%) من ذوي الأصول الآسيوية، و401 حالة (8%) من ذوي الأصول الإفريقية، و365 حالة (7%) من فئات أخرى.
ما بعد البلاغ
لا يزال قطاع التعليم المصدر الرئيس للبلاغات بـ 3496 بلاغاً، أي ما يعادل ثلث الإجمالي، يليه قطاعا الشرطة والرعاية الصحية، إذ يضع البرنامج واجباً قانونياً على الهيئات العامة للإبلاغ عن أي خطر مرتبط بالتطرف الأيديولوجي.
وبعد التقييم الأولي، يمكن إحالة الحالات التي يُعتقد أنها معرضة لخطر التطرف إلى “لجنة توجيه” متعددة الجهات. وتتولى هذه اللجنة، برئاسة السلطات المحلية، تقييم مدى تعرض الشخص للتطرف وتحديد ما إذا كان بحاجة إلى حزمة دعم مصممة خصيصاً لمواجهة المخاطر.
من بين 1100 حالة تم قبولها كحالات توجيه، مع تحديد العرق، ارتبطت 835 حالة (76%) بأشخاص من “البيض”، و159 حالة (14%) بذوي أصول آسيوية، و59 حالة (5%) بذوي أصول إفريقية، و47 حالة (4%) لفئات أخرى.
إجمالاً، تم اعتماد 1810 حالات من برنامج “مكافحة التطرف” كحالات توجيه خلال العام المنتهي في سبتمبر، وهو ما يمثل 18% من إجمالي الإحالات، ارتفاعاً من 11% المسجلة في الفترة السابقة.
تُظهر الأرقام أيضاً أن أكثر من ثلث (36%) الأشخاص الذين أُحيلوا إلى برنامج (Prevent) خلال العام المنتهي في سبتمبر/أيلول، كانوا يعانون من حالة واحدة على الأقل من حالات الصحة النفسية أو “التنوع العصبي” ويقصد به الاختلافات في طريقة عمل أدمغة البشر وتلقيهم للمعلومات.
كان التوحد أكثر حالات التنوع العصبي شيوعاً، حيث أصاب 1833 شخصاً (18%)، يليه اضطراب التعلم، الذي سُجّل في 279 حالة (3%)، بينما كان الاكتئاب أكثر حالات الصحة النفسية شيوعاً، وقد أصاب 362 شخصاً (4%)، يليه اضطرابات القلق (313، أو 3%) والإضطرابات الذهانية (256، أو 3%).
تصاعد اليمين المتطرف يفرض تحديات أمنية جديدة
تعليقاً على نتائج التقرير، قال وزير الأمن البريطاني دان جارفيس، إن العدد القياسي للإحالات يؤكد “حجم التحدي لحماية الجمهور من الإرهاب، كما تُظهر الإحصائيات أيضاً الدور الحاسم الذي يلعبه البرنامج في الحفاظ على سلامتهم، حيث نجح في إبعاد أكثر من 6000 شخص عن الأيديولوجيات العنيفة التي كان من الممكن أن تؤدي إلى إلحاق الضرر بأنفسهم أو بالآخرين”.
وتابع: “سنستمر في تحسين البرنامج للتأكد من أن لديه الأدوات التي يحتاجها للقيام بعمله المتمثل في منع الناس من أن يصبحوا إرهابيين أو يدعمون الإرهاب. لدينا جميعاً دور نلعبه في الحفاظ على سلامة بعضنا البعض واكتشاف علامات التطرف”.
تعكس الأرقام القياسية المسجلة في برنامج «بريفنت» تحولات عميقة في مشهد التطرف داخل المملكة المتحدة، إذ لم تعد المخاوف الأمنية مقتصرة على تهديد واحد أو أيديولوجية بعينها، بل باتت تمتد إلى طيف واسع من الأفكار المتطرفة والمتشظية. وبينما لا يزال الإرهاب المرتبط بالتطرف الإسلامي يمثل التهديد الأمني الرئيس، فإن الصعود المتسارع لبلاغات اليمين المتطرف يفرض تحديات جديدة على السلطات البريطانية، التي تجد نفسها أمام مهمة مزدوجة تتمثل في احتواء التهديدات التقليدية ومواجهة أشكال جديدة من التطرف، في ظل تداخل العوامل السياسية والاجتماعية والصحية التي تسهم في تشكيل هذا المشهد المعقد.















