دخلت ليبيا خلال الأيام القليلة الماضية مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تزامنت ثلاث تطورات في قلب مراكز القوة: اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي، سلسلة هجمات بالمسيّرات على مجمع الزاوية النفطي ومحطة الكهرباء، ثم دخول المصرف المركزي مجدداً في دائرة الاضطراب السياسي مع طلب المحافظ ناجي عيسى إعفاءه من منصبه.
لا توجد حتى الآن أدلة تثبت أن هذه الأحداث عملية واحدة منسّقة، لكن تزامنها يكفي لإظهار أن التوازن الليبي الهش بدأ يتعرض لاختبار جديد، وأن الصراع لم يعد يدور فقط حول الحكومات والميليشيات، بل حول مفاتيح الأمن والطاقة والمال معاً.
قيمة أمنية وسياسية
شكّل اغتيال اللواء فوزي المنصوري مدير الاستخبارات العسكرية التابع لقوات خليفة حفتر في بنغازي، إثر انفجار سيارة مفخخة، ضربة ذات قيمة أمنية وسياسية تتجاوز شخصية الرجل. فالعملية وقعت في المدينة التي يقدمها معسكر الشرق باعتبارها مركزاً أمنياً أكثر تماسكاً من غرب البلاد، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.
المغزى الأهم ليس معرفة المنفذ قبل اكتمال التحقيق، بل أن الاختراق وصل إلى مستوى حساس داخل المنظومة الأمنية الشرقية. وهذا يضع قيادة حفتر أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرتها على حماية مركزها الأمني، ومنع العملية من التحول إلى بداية صراع داخلي أو موجة اغتيالات جديدة.
استهداف النفط والكهرباء
في الغرب، كان المشهد أكثر وضوحاً من حيث طبيعة الهدف، وأكثر غموضاً من حيث هوية المنفذ. فقد تعرض مجمع الزاوية النفطي، الذي يضم أكبر مصفاة عاملة في ليبيا بطاقة تصل إلى 120 ألف برميل يومياً، لسلسلة ضربات بالمسيّرات أصابت خزانات وقود ومرافق حيوية. أحد الخزانات، الذي كان يحتوي نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، انهار بعد اشتعال النيران فيه. وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط حالة الطوارئ القصوى وحذرت من احتمال إعلان القوة القاهرة إذا استمر الاستهداف.
ثم انتقل الاستهداف من النفط إلى الكهرباء. ففي 12 أغسطس/آب الجاري، أصابت ضربة محطة جنوب الزاوية، وأخرجت أكثر من 700 ميغاواط من قدرة توليد تبلغ 1300 ميغاواط عن الخدمة، بينما سحبت شركة GE الأميركية فرقها الفنية من الموقع بسبب المخاطر الأمنية.
هنا تكمن أخطر دلالة في التطورات الأخيرة: المسيّرات بدأت تضرب البنية التحتية التي تجعل الدولة قابلة للحياة، لا المواقع العسكرية وحدها. ومنشأة نفطية أو محطة كهرباء لا تحتاج إلى التدمير الكامل حتى تصبح ورقة ضغط؛ يكفي تعطيل جزء منها لرفع كلفة الصراع على الحكومة والسكان والاقتصاد.
ولا يمكن فصل ذلك عن الاشتباكات التي شهدتها الزاوية وصرمان في بداية الشهر بين تشكيلات مسلحة متنافسة. فالمدينة تقع عند تقاطع نفوذ أمني محلي ومصالح مرتبطة بالطاقة والتهريب والطرق الساحلية، ما يجعل الصراع عليها أكبر من خلاف بين مجموعتين مسلحتين. وهنا تبدو المسألة أقرب إلى إعادة توزيع للنفوذ داخل غرب ليبيا، في وقت تواجه فيه حكومة عبد الحميد الدبيبة ضغوطاً سياسية وشعبية وأمنية متزايدة.
اهتزاز مركز المال
في هذا المناخ، جاءت خطوة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى لتضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية. فقد قدم في 9 أغسطس طلباً لإعفائه من منصبه إلى مجلسي النواب والدولة، من دون الكشف عن أسباب قراره، فيما دعاه رئيس المجلس الأعلى للدولة إلى الاستمرار مؤقتاً حفاظاً على الاستقرار.
أهمية الخطوة أن المصرف المركزي ليس مؤسسة تقنية محايدة في الصراع الليبي؛ إنه مركز التحكم في عائدات النفط والإنفاق العام وسعر الصرف والسيولة. وقد جاء تعيين عيسى في 2024 بعد أزمة كادت تشل إنتاج النفط بسبب الخلاف على قيادة المصرف، ما يجعل أي اهتزاز جديد داخله مؤشراً لا يمكن التعامل معه كاستقالة إدارية عادية.
في الخارج، تتحرك القوى المؤثرة بطريقة تكشف أن ليبيا تدخل مرحلة جديدة من إعادة التموضع. الولايات المتحدة أدانت صراحة هجمات الزاوية واغتيال المنصوري، وطالبت بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين. لكن واشنطن تواجه معضلة واضحة: الضغط من أجل توحيد المؤسسات من دون الانحياز الكامل إلى أي من المعسكرين.
أما تركيا، فقد أرسلت في 12 أغسطس إشارة أكثر أهمية من البيانات الدبلوماسية، عندما التقى وزير خارجيتها هاكان فيدان خليفة حفتر في بنغازي، في إطار توسيع أنقرة اتصالاتها مع الشرق. وهذا التحرك يعني أن تركيا، التي كانت ترتبط أساساً بمعسكر طرابلس، باتت تتعامل مع المعادلة الليبية باعتبارها متعددة المراكز، وتريد الاحتفاظ بنفوذها أياً كان شكل التسوية المقبلة.
عربياً، تبقى مصر صاحبة المصلحة الأمنية الأكثر مباشرة في منع انهيار الشرق أو تحول الجنوب والحدود إلى مجال مفتوح للفوضى، فيما تحافظ الإمارات على قنواتها مع معسكر حفتر. لكن اللافت أن المشهد الإقليمي لم يعد قائماً على اصطفاف جامد بين محور يدعم طرابلس وآخر يدعم الشرق؛ بل أصبح أقرب إلى سباق على النفوذ داخل ليبيا نفسها.
تدخلات خارجية
وفي أفريقياً، يحاول الاتحاد الأفريقي إبقاء الملف ضمن إطار وحدة ليبيا وسيادتها ومنع تحولها إلى ساحة دائمة للتدخلات الخارجية. كما تسعى طرابلس إلى تعزيز التنسيق مع الاتحاد وإعادة تنشيط حضوره، في وقت يرتبط فيه أمن ليبيا مباشرة بأمن الساحل والهجرة وانتشار السلاح عبر الحدود الجنوبية.
أما أوروبا، فتنظر إلى التصعيد من زاوية أكثر مباشرة: النفط والهجرة والأمن. ولذلك فإن استمرار ضرب منشآت الطاقة لا يمثل مشكلة ليبية فقط، بل يهدد المصالح الأوروبية في الإمدادات والاستثمار والاستقرار على الضفة الجنوبية للمتوسط.
لا تبدو ليبيا أمام عودة بسيطة إلى حرب أهلية شاملة، بل أمام صيغة أخطر من الصراع منخفض الوتيرة: ضربات دقيقة، واغتيالات، وتنافس على المؤسسات السيادية، وضغط على منشآت الطاقة، بالتوازي مع إعادة تموضع القوى الخارجية.
انكشاف الدولة وتبدل الصراع
من هذا المنطلق، فإن السؤال الأهم لم يعد من يقف وراء كل ضربة، فالإجابة لا تزال غير محسومة، بل: لماذا أصبحت أهم منشآت ليبيا مكشوفة إلى هذا الحد؟ عندما تستطيع المسيّرات الوصول إلى النفط والكهرباء، وتُستهدف شخصية أمنية بهذا المستوى في بنغازي، ويصبح منصب محافظ المصرف المركزي نفسه موضع اضطراب، فإن المشكلة لم تعد في غياب القوة، بل في غياب مركز واحد يستطيع استخدامها لحماية الدولة.
هذا تحديداً ما يجعل المرحلة الحالية خطرة: ليبيا لا تعيد فقط توزيع النفوذ بين الشرق والغرب، بل تعيد تعريف أدوات الصراع نفسها. وفي هذه المعادلة، قد يكون النفط والمال والكهرباء أهم من السيطرة على مدينة، وقد تصبح المسيّرة الصغيرة أكثر تأثيراً من قافلة عسكرية كاملة.















