بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

تقرير إخباري

انسداد سياسي وتصعيد ميداني: الحرب في السودان تدخل عامها الثالث وسط فشل المبادرات وتفاقم الكارثة الإنسانية

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

تتراجع آمال السودانيين في الخروج من دوامة الحرب المستمرة منذ أكثر من ألف يوم، في ظل اتساع رقعة القتال جغرافياً واجتماعياً، وارتفاع كلفته الإنسانية والاقتصادية. هذا الانسداد يتزامن مع تعثر متكرر لمبادرات إقليمية ودولية هدفت إلى وقف إطلاق النار، ما يطرح تساؤلات متجددة حول أسباب فشل مسار الحل، وحدود المسؤولية السياسية والعسكرية، وإمكانيات الخروج من المأزق الراهن.

يتفاقم المشهد مع استمرار رفض السلطة العسكرية المتمركزة في بورتسودان القبول بخطة الوساطة التي طرحتها المجموعة الرباعية في سبتمبر الماضي، والتي تقوم على مسارات متوازية تشمل وقفاً إنسانياً لإطلاق النار، وضمان حماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، ثم الشروع في عملية سياسية انتقالية بقيادة مدنية.

أسباب طول أمد الحرب

يحدّد مراقبون تحدثوا لموقع «غلوبال ووتش عربية» ثلاثة أسباب أدت إلى إطالة أمد الحرب السودانية. أولاً، طبيعة العوامل التي أشعلت النزاع. ثانياً، تصاعد الشدّ الإثني والجهوي مع اتساع النطاق الزمني والجغرافي للحرب. وثالثاً، تعدد المنابر والمبادرات بسبب التشابكات الإقليمية والدولية الكبيرة المحيطة بالبلاد.

اندلعت المواجهات المسلحة في الخرطوم في إبريل/نيسان 2023، لكنها سرعان ما تحولت إلى نزاع واسع النطاق شمل معظم أقاليم البلاد، الممتدة على مساحة تقارب 1.8 مليون كيلومتر مربع. ويتقاسم طرفا القتال – الجيش وقوات الدعم السريع – السيطرة على مساحات واسعة، في مشهد يعكس حالة استنزاف متبادل دون حسم عسكري واضح.

تعقيدات ميدانية وكارثة إنسانية

يتفق كثيرون على خطورة ووحشية الصراع الحالي، مشيرين إلى تعقيدات ميدانية كبيرة قيّدت بشدة وصول المساعدات الإنسانية. ويُحمّل مراقبون طرفي القتال مسؤولية تعقيد الوضع، غير أنهم يرون أن الجيش يسعى بشكل أكبر إلى تقويض الجهود الدولية عبر طرح مسارات بديلة تبتعد عن إطار الرباعية، بما يخدم حسابات سياسية وتحالفات داخلية، من بينها قوى أيديولوجية تخشى الإقصاء من المشهد السياسي.

تحظى خطة المجموعة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، بدعم واسع من أطراف دولية، من بينها الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي. وقد أعلنت قوات الدعم السريع موافقتها عليها دون شروط، بينما ربطت السلطة العسكرية تنفيذها بشروط اعتُبرت من قبل مراقبين غير قابلة للتطبيق في السياق الراهن.

شروط تعجيزية

أثار الخطاب الذي قدمه رئيس الوزراء المعيّن من قبل السلطة القائمة في بورتسودان، كامل إدريس، أمام مجلس الأمن الدولي، انتقادات واسعة، بعد ربطه وقف الحرب بنزع سلاح قوات الدعم السريع وانسحابها من المناطق التي تسيطر عليها. وأشارت الكاتبة الصحفية صباح محمد الحسن إلى أن هذه الشروط تعكس استمرار المقاربة الأمنية ذاتها، وتغليب موازين القوة على الاعتبارات الإنسانية.

في المقابل، حمّل نائب مندوب الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن طرفي النزاع مسؤولية إنهاء الحرب، داعياً إلى الاستجابة غير المشروطة لمبادرة الهدنة الإنسانية، ومشيراً إلى تقارير عن انتهاكات جسيمة تخضع لآليات التحقق الدولية.

عشر مبادرات متعثرة

منذ الأسابيع الأولى لاندلاع القتال، طُرحت نحو عشر مبادرات إقليمية ودولية لاحتواء النزاع، من بينها مسارات قادها الاتحاد الإفريقي ومنبر جدة برعاية السعودية والولايات المتحدة. ورغم التوافق العام لهذه المبادرات على مبادئ وقف العدائيات، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، والدخول في عملية سياسية مدنية، فإنها فشلت جميعها في تحقيق اختراق مستدام.

في السياق ذاته، اعتبرت الحسن أن المقترحات التي قدمها رئيس الوزراء المعيّن من قبل السلطة القائمة في بورتسودان، كامل إدريس، أمام مجلس الأمن، تمثل محاولة لإعاقة المسار الدولي القائم على خطة المجموعة الرباعية. وقالت في حديثها لموقع «غلوبال ووتش»، إن الخطاب أعاد طرح الشروط ذاتها التي ظلت قيادة الجيش تكررها منذ اندلاع الحرب، والمتمثلة في ربط أي حل سلمي بنزع سلاح قوات الدعم السريع وانسحابها من المناطق التي تسيطر عليها، وهو ما وصفته بأنه شرط غير واقعي في ميزان التطورات الميدانية.

وأضافت الحسن، بأن سعي سلطة بورتسودان إلى إيجاد مخرج سياسي ينسجم مع رؤيتها الخاصة يعكس، بحسب تقديرها، تغليب الحسابات الضيقة على الاعتبارات الإنسانية، في ظل تصاعد أعداد الضحايا، واتساع رقعة الجوع والنزوح.

غير أن الرد الدولي على هذه المواقف جاء سريعاً، حيث شدد نائب المندوب الأمريكي على أن خطة الهدنة الإنسانية مطروحة بوضوح، وأن على جميع الأطراف التعاطي معها دون شروط مسبقة. وحملت تصريحاته لهجة حازمة، إذ أشار إلى ارتكاب فظائع جسيمة من جانب طرفي القتال، من بينها انتهاكات منسوبة لقوات الدعم السريع في الفاشر، واستهداف مدنيين على أسس إثنية وسياسية، إضافة إلى اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية خلال مجريات النزاع.

فشل متكرر

شكّلت خارطة الطريق الإفريقية ومنبر جدة جزءاً من نحو عشر مبادرات فشلت جميعها حتى الآن في إنهاء القتال. ومع اتساع رقعة الحرب، جرت ثماني محاولات إضافية في عواصم مختلفة، من بينها جدة والمنامة وجنيف وجيبوتي وأديس أبابا وعنتيبي، إلا أنها اصطدمت بمواقف رافضة من قيادة الجيش، حالت دون تثبيت أي ترتيبات ميدانية مستدامة.

على الرغم من اختلاف السياقات والوسطاء، فإن القاسم المشترك بين هذه المبادرات يتمثل في مجموعة مبادئ أساسية، شملت وقف الأعمال العدائية، والإبقاء المؤقت على تموضع القوات إلى حين التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وضمان حماية المدنيين وفتح الممرات الإنسانية، إضافة إلى إطلاق عملية سياسية تهدف إلى بناء جيش مهني موحد، والنأي بالمؤسسة العسكرية عن الانتماءات الحزبية أو الأيديولوجية، تمهيداً لمرحلة انتقالية بقيادة مدنية.

عقبة الإخوان: الحرب كخيار وجودي

يعزو شريف محمد عثمان، القيادي في تحالف القوى المدنية السودانية صمود، تعثّر جهود وقف الحرب إلى غياب الجدية لدى أطراف الصراع، وعدم وجود إرادة حقيقية لإنهاء القتال، مندداً بإغراق بعض القوى المشهد بمبادرات متوازية كلما اقترب مسار تفاوضي من تحقيق اختراق محتمل.

وحمّل عثمان قيادة الجيش المسؤولية الأكبر عن هذا التعثر، مؤكداً أن تجارب المبادرات العشر السابقة أظهرت نمطاً متكرراً من المماطلة. كما أشار إلى أن قوات الدعم السريع أبدت، خلال الفترة الأخيرة، قدراً من المرونة بقبولها الخطة الرباعية دون شروط، في مقابل استمرار تحفّظ المؤسسة العسكرية، وهو ما تجلّى، بحسب قوله، في الطرح الذي قدّمه رئيس الوزراء المعيّن من قبل سلطة بورتسودان مؤخراً.

من الواضح أن الارتباط السياسي والتنظيمي بين الإخوان وقطاعات داخل المؤسسة العسكرية يقف حجر عثرة أمام المبادرات المطروحة، وتفكيكه يُعد شرطاً أساسياً لفتح أفق تسوية مستدامة. وفي هذا الإطار، حمّل تحالف «صمود» التنظيم وواجهاته السياسية مسؤولية إطالة أمد الصراع، عبر الضغط على القيادات العسكرية لرفض الحلول التفاوضية، وإجهاض فرص وقف إطلاق النار. 

يُذكر أن التحالف يضم أكثر من مئة مكوّن سياسي، ويقوده رئيس الوزراء المدني الذي أطاح به انقلاب قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في أكتوبر/تشرين الأول 2021.

بدوره، يرى الخبير العسكري كمال إسماعيل أن التأثير المستمر لقيادات إخوانية على قرارات الجيش شكّل إحدى العقبات الرئيسية أمام المبادرات السابقة. ويشير إلى أن هذا التأثير لم يقتصر على دوائر القرار، بل امتد إلى الفضاء الإعلامي، حيث شهدت الأيام التي تلت إعلان خارطة الطريق الرباعية في سبتمبر/أيلول الماضي حملات تعبئة وتضليل مضادة، قادتها منصات محسوبة على التنظيم ومساندة للمؤسسة العسكرية.

مخاوف التقسيم

في ظل مقتل أكثر من 150 ألف شخص وتشريد نحو 15 مليوناً، وامتداد الجوع إلى أكثر من نصف السكان، تتصاعد الضغوط الدولية للدفع نحو وقف شامل لإطلاق النار. ومع دخول الحرب شهرها الثاني والثلاثين، يثير استمرار الصراع، وتقاسم السيطرة على الأرض، مخاوف جدية من سيناريوهات تفكك أو تقسيم جديد، بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على وحدة الدولة ومستقبل الاستقرار في السودان.