بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

اليوم التالي في غزة.. حركة “حماس” تخلع “عباءة الحكم” وترتدي “سترة التكنوقراط”

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

في خطوة تُعد من أبرز التحولات في المشهد الفلسطيني منذ منذ سيطرة حركة “حماس” على قطاع غزة في العام 2007، أعلنت الحركة حلّ الجسم الحكومي الذي كان يتولى الإشراف على الوزارات في القطاع، واستعدادها لتسليم الإدارة المدنية إلى لجنة تكنوقراط تضم كفاءات فلسطينية غير حزبية.

هذا التطور يأتي في سياق ما بعد اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر\تشرين الأول الماضي، وفي ظل واقع إنساني وعمراني بالغ القسوة، حيث يواجه قطاع غزة دماراً واسعاً طال البنية التحتية والمنظومة الخدمية، وفرض تحديات هائلة على أي صيغة حكم مستقبلية قادرة على إدارة مرحلة إعادة الإعمار.

أمام هذا المشهد، يبرز سؤال مركزي يتجاوز الشكل الإداري: هل تتجه “حماس” فعلياً نحو التخلي عن إدارة غزة، أم أنها تعيد تموضعها داخل نموذج حكم جديد يفصل بين الإدارة المدنية من جهة، ومراكز النفوذ السياسي والأمني من جهة أخرى؟

تفكيك التوقيت السياسي

منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر\تشرين الأول 2025، بات واضحاً أن مرحلة “اليوم التالي” في غزة لا يمكن أن تكون امتداداً لما قبل الحرب. فـالقطاع يواجه واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخه الحديث، نتيجة دمار واسع في البنية التحتية، وانهيار شبه كامل في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الأساسية، إلى جانب كلفة إعادة إعمار تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات.

في هذا السياق، تبدو خطوة “حماس” أقرب إلى إعادة تموضع سياسي تحت الضغط، هدفه التعامل مع قيود التمويل الدولي وإعادة الإعمار، حيث ترتبط المساعدات غالباً بوجود إدارة مدنية غير حزبية، قادرة على العمل ضمن اشتراطات الدول المانحة والوسطاء الدوليين. بمعنى آخر، فإن التخلي عن “الهيئة الإدارية” لا يبدو انسحاباً من المشهد بقدر ما هو محاولة لتعديل شروط البقاء داخله.

براغماتية إدارة ما بعد الحرب

يُطرح نموذج حكومة التكنوقراط كأداة وظيفية لإدارة مرحلة انتقالية، تُفصل فيها الخدمات اليومية عن التجاذب السياسي المباشر. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره وسيلة لإعادة إدخال التمويل الدولي إلى القطاع، وتخفيف الكلفة السياسية المرتبطة بإدارة الوضع الإنساني والخدمي تحت اسم طرف سياسي محدد.

لكن هذا النموذج، على الرغم من طابعه التقني، يبقى مرهوناً بقدرة الإدارة الجديدة على العمل داخل بيئة شديدة التعقيد، تتداخل فيها السلطات الرسمية مع قوى أمر واقع، ما يجعل استقلالية القرار الإداري أحد أبرز التحديات منذ اللحظة الأولى.

نموذج “حزب الله” المزدوج

في خلفية هذا التحول، يبرز ما يُعرف بـ”نموذج حزب الله” في لبنان، حيث يتم الفصل بين مستويين: إدارة مدنية تتولى الخدمات والمؤسسات العامة، وبنية سياسية–عسكرية تعمل خارج إطار الحكم الرسمي المباشر، لكنها تحتفظ بتأثير حاسم على القرار الاستراتيجي.

في هذا الإطار، لا يعني نقل الإدارة إلى تكنوقراط بالضرورة تفكيك مراكز القوة، بل إعادة توزيعها داخل منظومة حكم مزدوجة: واجهة مدنية تتعامل مع المجتمع الدولي والملفات اليومية، وبنية موازية غير معلنة تدير التوازنات الكبرى. ويعني ذلك عملياً أن تغيير شكل الإدارة لا يوازي بالضرورة تغيير مركز القرار الفعلي، بل يعيد تنظيمه ضمن مستويات مختلفة من الظهور والتأثير.

عقد السلاح والسلطة

يبقى ملف السلاح أحد أكثر الملفات تعقيداً في أي تسوية مستقبلية، فالموقف الإسرائيلي يقوم على ضرورة إعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يضمن نزع أو تحييد سلاح الفصائل، باعتباره شرطاً للاستقرار. في المقابل، تعتبر “حماس” أن هذا الملف خارج نطاق التفاوض، ما يجعله نقطة صدام بنيوية في أي صيغة حكم مقبلة.

إلى جانب ذلك، يبرز ملف الأمن الداخلي كسؤال مفتوح حول الجهة التي ستتولى ضبط الشارع في غزة، وإعادة هيكلة الأجهزة القائمة أو دمجها ضمن إطار جديد. كما يشكل ملف الموظفين الذين تم تعيينهم منذ العام 2007 تحدياً مالياً وإدارياً معقداً، نظراً لحجم البنية الوظيفية التي تشكلت خلال سنوات الحكم، وصعوبة إعادة إدماجها في منظومة جديدة من دون ترتيبات سياسية ومالية واسعة.

حسابات الأطراف الفاعلة

تتعامل الأطراف الإقليمية والدولية مع هذا التحول وفق مقاربات متباينة. فإسرائيل تنظر إليه من زاوية أمنية بالدرجة الأولى، مع تركيز على منع إعادة إنتاج نفوذ “حماس” بصيغ مدنية بديلة. أما السلطة الفلسطينية، فترى في التطور فرصة محتملة لاستعادة حضورها الإداري في غزة، لكنها تواجه تحديات تتعلق بقدرتها على فرض سيطرة فعلية على الأرض في ظل التوازنات القائمة.

في المقابل، تدفع مصر وقطر باتجاه صيغة تكنوقراط باعتبارها الخيار الأكثر قابلية للتطبيق، لما توفره من إطار إداري يسمح بتثبيت وقف إطلاق النار وفتح الباب أمام عمليات إعادة الإعمار.

ما يجري في غزة ليس انتقالاً سياسياً مكتمل المعالم، بل إعادة تشكيل تدريجية لبنية الحكم تحت ضغط الحرب وتداعياتها. فبين الحاجة إلى إدارة مدنية قادرة على التعامل مع حجم الكارثة الإنسانية، واستمرار التوازنات الأمنية والسياسية القائمة، يتبلور نموذج حكم رمادي تتداخل فيه مستويات السلطة من دون حسم نهائي لمراكز القرار.

لذلك يقف القطاع أمام مسار رمادي مفتوح: إما لجنة تكنوقراط تمتلك صلاحيات فعلية تحت رقابة متعددة الأطراف، أو صيغة حكم مزدوجة تفصل بين واجهة مدنية مقبولة دولياً ومراكز نفوذ تحتفظ بالقرار الحاسم. وحتى يتضح مصير السلاح والأمن الداخلي والموظفين والمعابر، سيبقى إعلان “حماس” خطوة مهمة، لكنها غير كافية وحدها لإثبات أن الحكم في غزة انتقل فعلاً من يد إلى أخرى.