المغرب

“الهروب الكبير” نحو سبتة.. دون كيخوتي المغربي يمتطي إطار سيارة مطاطي!

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

هناك صور لا تحتاج إلى تعليق، لأنها تُدين كل من يحاول إعادة تأويلها: شاب مغربي لا يحمل شهادة جامعية، ولا حقيبة سفر، ولا تأشيرة شنغن، ولا حتى قارباً مطاطياً. كل ما يحمله هو إطار سيارة مستعمل، يتشبث به كما يتشبث الغريق بقشة، ويشق به البحر نحو مدينة سبتة المحتلة من قبل إسبانيا.

بذلك بات الإطار المطاطي أكثر منتجات “النموذج التنموي” المغربي نفعاً ومصداقية: شاب يحمل على كتفيه الثمرة الوحيدة التي استطاع الوصول إليها بين ثمرات الصناعة الوطنية. فقد أصبح المغرب، كما لا يمل مسؤولوه من ترديده، أحد أكبر مصنعي السيارات في إفريقيا. لكن يبدو أن بعض المواطنين فهموا الرسالة على طريقتهم: إذا كانت السيارات تُصدَّر إلى أوروبا، فلمَ لا يُصدَّر الشباب أيضاً؟ وإذا تعذر العثور على سيارة كاملة، فالإطار المطاطي وحده يفي بالغرض!

مشهد “الهروب الكبير” الذي يتكرر اليوم في سبتة يطرح سؤالاً لا يريد أحد الإجابة عنه: هل حدث شيء بين الرباط ومدريد؟ سؤال قد يبدو غريباً، لكنه ليس بلا مبرر. ففي كل مرة تتوتر فيها العلاقات المغربية – الإسبانية، تتحول الحدود فجأة إلى منطقة رخوة، ويكتشف آلاف الشباب أن الطريق إلى الثغر المحتل أصبحت أقل استحالة مما كانت عليه قبل أيام.

هكذا كان الأمر في ربيع 2021، عندما اجتاح آلاف المغاربة المعابر نحو سبتة، في رسالة سياسية فهمتها مدريد جيداً بعد استقبالها زعيم “البوليساريو” للعلاج. يومها، لم يطل الأمر حتى عدلت إسبانيا بوصلتها الدبلوماسية، وأعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي في الصحراء.

ثم تكرّر المشهد في صيف 2024، لكن عنوانه كان مختلفاً. لم يكن الغضب موجهاً إلى مدريد، بل إلى الداخل: آلاف الشباب استجابوا لدعوات العبور التي انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأنهم لم يعودوا يجدون في بلدهم ما يقنعهم بالبقاء. تلك المرة لم يكن هنالك من أحد يحركهم.. سوى الإحباط.

واليوم يتكرر المشهد مرة ثالثة، من دون تفسير رسمي مقنع. فلا أزمة معلنة بين الرباط ومدريد، ولا حادثة حدودية أو أزمة دبلوماسية كبرى. لكن زيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، وما رافقها من رسائل سياسية، تجعل كثيرين يتساءلون إن كانت الرباط قد قررت، مرة أخرى، تذكير جارتها الشمالية بأن لديها ورقة ضغط جارفة لا تملك إسبانيا أو أي دولة أوروبية أخرى القدرة على مواجهتها: شباب يائس، يكفي أن ترفع عنه القبضة قليلاً حتى يتحول إلى موجة بشرية عاتية تعبر البحر وتعصف بالأسلاك وتدكّ الأسوار.

لكن، بعيداً عن حسابات الدول، يبقى السؤال الأخلاقي أكبر من كل المناورات السياسية: من هم هؤلاء الذين يعبرون البحر خِفافاً نحو سبتة؟

ليسوا غزاة، ولا مغامرين يبحثون عن الإثارة. إنهم شباب ضاقت بهم الحياة في بلد ظل يُسمعهم، منذ سنوات طويلة، أن المستقبل أجمل، وأن المشاريع الكبرى تتوالى، وأن الأرقام الاقتصادية تبشر بِغد أفضل.

غير أن المشكلة في الأرقام أنها لا تُؤكل.

يمكن للإنسان أن يعيش بين مصانع السيارات والقطارات فائقة السرعة والموانئ العملاقة، دون أن يجد لنفسه موطئ قدم في كل ذلك. ومن يستطيع أن يعيش إذا فقد الإحساس بأن له مكانه الطبيعي في وطنه؟

ولعل أكثر ما يوجع في أحدث فصول هذا “الهروب الكبير” هو التوقيت. فبينما كانت القنوات الرسمية تبث احتفالات الذكرى السابعة والعشرين لتربع الملك محمد السادس على العرش، كانت منصات التواصل الاجتماعي تعرض فيلماً موازياً، بلا مخرج ولا موسيقى تصويرية: قاصرون يقفزون إلى البحر، أمهات يحملن أطفالهن نحو المجهول، شباب يتسلقون الأسوار الإسمنتية، وفتيات يركضن بين الحواجز الأمنية بحثاً عن منفذ إلى الضفة الأخرى.

كانت تلك الصور، في الحقيقة، أبلغ من كل الخطب. لم تتخذ شكل احتجاج سياسي صاخبا، أو بيان حزبي مدوّ، بل استفتاء شعبي صامت على حصيلة سبعة وعشرين عاماً من الوعود.

لقد استثمرت الدولة، خلال هذه السنوات، في الإسمنت أكثر مما استثمرت في الإنسان، وفي الجسور التي تصل بين المدن أكثر مما استثمرت في الجسور التي تصل المواطن بوطنه، وفي السيارات أكثر مما استثمرت في الذين يفترض أن يقودوها.

لذا، لم يعد غريباً أن يصبح البحر هو مكتب التشغيل الوحيد الذي ما زال يستقبل ملفات الشباب.

أما الصورة التي تلخص كل الحكاية، فهي صورة ذلك الشاب الذي يعبر البحر متشبثاً بإطار سيارة مطاطي. إنه، بلا مبالغة، المواطن الوحيد الذي استفاد فعلاً من نجاح المغرب في صناعة السيارات. لم يحصل على السيارة. لكنه حصل، على الأقل، على إحدى عجلاتها، وقرّر أن يمتطيها في ملحمة عبور على طريقة دون كيخوتي. 

أسوة بفارس لامانشا الذي حارب طواحين الهواء، ها هو شباب “لابلانشا” المغربي يحارب الأمواج بإطار مطاطي. لا سيف في يده، ولا درع، فقط قطعة مطاط مستعملة، يظنها – أو يُرغم على أن يظنها – وسيلة نجاة، بينما هي في الحقيقة مرآة ساخرة لبلدٍ يصدّر السيارات ويستورد الأحلام المكسورة.