بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

قضايا بيئية

النيكل الإندونيسي واختبار حقوق الشعوب الأصلية.. حين يتحول النزاع على الأرض إلى معركة أمام القانون

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

لا يبدأ النزاع حول النيكل في إندونيسيا دائماً من سؤال ما إذا كانت المناجم تلوث المياه أو تستولي على أراضٍ متوارثة. في عدد من القضايا، ينتقل السؤال سريعاً إلى ما إذا كان السكان الذين اعترضوا على التعدين قد “عطّلوا” نشاطاً يحمل ترخيصاً رسمياً.

هذا الانتقال ليس لغوياً. المادة 162 من قانون المعادن والفحم تتيح معاقبة من يعرقل أو يعطل أنشطة شركات التعدين المرخصة بالسجن مدة تصل إلى سنة أو بغرامة تصل إلى مئة مليون روبية إندونيسية. وفي 2 مارس/آذار 2026، قضت المحكمة الدستورية بعدم قبول طعن استهدف المادة نفسها، بعدما رأت أن مقدميه لم يوضحوا بصورة كافية أوجه تعارضها مع الدستور. ولم يحسم القرار دستورية المادة موضوعياً، لكنه أنهى الطعن بصيغته المقدمة، فيما بقيت المخاوف من استخدامها ضد سكان المناطق التعدينية والمدافعين عن البيئة قائمة. 

تظهر خطورة هذه الآلية في جزيرة هالماهيرا، حيث أدانت محكمة في أكتوبر/تشرين الأول 2025 أحد عشر فرداً من مجتمع مابا سانغاجي بعد احتجاجهم على عمليات تعدين النيكل في منطقة يعدونها جزءاً من أراضيهم المتوارثة. وفي الوقت نفسه، كانت الشركة الأم للمشروع تعرض توسعها في النيكل باعتباره جزءاً من انتقالها نحو طاقة أكثر استدامة، وتعلن خططاً لزيادة إنتاج المنجم خلال 2026. 

القصة هنا لا تختزل في تناقض بين شركة وناشطين، إنها تكشف نظاماً يملك فيه المستثمر الترخيص ورأس المال والقدرة على الاستناد سريعاً إلى أدوات إنفاذ القانون، بينما يحتاج السكان أولاً إلى إثبات حقهم في الأرض، ثم إثبات الضرر، ثم الدفاع عن أنفسهم إذا أدى احتجاجهم إلى توقف الآلات.

النزاع من البيئة إلى الأمن

وثّقت “هيومن رايتس ووتش” في تقرير يوليو/تموز 2026 استخدام أكثر من 12 قانوناً إندونيسياً ضد قادة مجتمعات محلية ومدافعين عن البيئة، وقدمت 15 حالة استندت في دراستها إلى 69 مقابلة. وتشمل الأدوات القانونية المستخدمة قانون التعدين، وقانون المزارع، وقانون مكافحة تدمير الغابات، ومواد التشهير وقانون المعلومات والمعاملات الإلكترونية.

ونقلت المنظمة عن المنتدى الإندونيسي للبيئة “والهي” أن ما لا يقل عن 1131 شخصاً واجهوا قضايا جنائية بين عامي 2014 و2024 بسبب دفاعهم عن حقوقهم في الأرض. يبقى الرقم تقديراً صادراً عن منظمة مدنية، لكنه يضع الحالات الفردية ضمن نمط أوسع لا تقتصر آثاره على من تصدر بحقهم أحكام بالإدانة.

توفر المادة 162 حماية جنائية لأنشطة التعدين المرخصة مشروطة باستيفائها متطلبات الترخيص. لكن المشكلة تظهر عندما يسبق تطبيق المادة حسم النزاع حول ملكية الأرض، أو إتاحة دراسة الأثر البيئي، أو التحقق من أن المجتمع المحلي شارك فعلاً في اتخاذ القرار.

عندها يصبح الترخيص الإداري، عملياً، أقوى من اعتراض السكان؛ ويصبح توقف الحفارة واقعة أسرع في الوصول إلى الشرطة من الشكوى من تلوث النهر أو فقدان الأرض الزراعية.

من الغابة إلى قفص الاتهام

في إبريل/نيسان 2025، توجه عشرات من سكان مابا سانغاجي إلى منطقة تعدين في شرق هالماهيرا، بعدما قالوا إنهم وجدوا حفارات تزيل أجزاءً من غابتهم المتوارثة وتؤثر في نهر سانغاجي. أراد السكان مقابلة مسؤولي شركة “بي تي بوزيشن”، التابعة لمجموعة “هاروم إنرجي”، لكن أولئك المسؤولين لم يكونوا في الموقع، فاحتجز المحتجون مفاتيح 17 حفارة لإيقاف العمل إلى حين عقد اللقاء.

عندما عاد السكان في مايو/أيار، كانت قوات من الشرطة والجيش في انتظارهم، وفق روايات وثقتها “هيومن رايتس ووتش”. فاعتُقل 27 شخصاً، وأُفرج عن 16 منهم، بينما وُجهت إلى أحد عشر رجلاً اتهامات شملت تعطيل عمليات التعدين ومحاولة ابتزاز الشركة وحيازة أدوات حادة. وقال المتهمون إن الأدوات جزء من حياتهم الزراعية، وإن مطالبتهم بتعويض الشركة استندت إلى أعراف محلية.

في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025، أدانت المحكمة الرجال الأحد عشر وحكمت عليهم بالسجن خمسة أشهر، معتبرة أنهم كان ينبغي أن يستخدموا “آلية قانونية” للاعتراض على المنجم. لكن هذا التبرير يترك السؤال الأهم بلا إجابة: ما مدى فاعلية الآلية القانونية المتاحة لمجتمع يرى الحفارات داخل غابته قبل أن يحصل على تفسير واضح لكيفية منح الترخيص أو معالجة اعتراضه؟

تزداد أهمية القضية لأن “بي تي بوزيشن” ليست مشروعاً هامشياً في خطة المجموعة. يقول تقرير الاستدامة الصادر عن “هاروم إنرجي”، إن الشركة التابعة تملك أكثر من 200 مليون طن من موارد خام النيكل، وإن المجموعة تخطط لزيادة إنتاجها بصورة كبيرة كي توفر أكثر من نصف احتياجات مصاهرها الداخلية خلال النصف الثاني من 2026.

لا تثبت هذه الفجوة وحدها أن الشركة أمرت باعتقال المحتجين أو أنها مسؤولة قانوناً عن الأحكام. لكنها تكشف قصوراً واضحاً في الإفصاح: تقرير الاستدامة يتحدث عن المشاركة والرضا وعدم تسجيل انتهاكات، بينما شهد العام نفسه اعتقال سكان من منطقة تشغيل تابعة للمجموعة وإدانتهم بعد نزاع مباشر على الأرض.

البراءة لا تعيد ما كان

تكشف قضية قرية توروبولو في جنوب شرق سولاويسي وجهاً آخر للمشكلة. قال السكان إن منجماً مفتوحاً تابعاً لشركة “بي تي ويجايا إنتان نوسانتارا” اقترب إلى مسافة تراوحت بين مئة و300 متر من منازلهم، وإن الغبار والمياه الملوثة أضرا بمزارع الروبيان وصحة السكان. كما قالوا إنهم طالبوا مراراً بالاطلاع على دراسة الأثر البيئي للمشروع من دون استجابة كافية.

خلال احتجاج في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، صعدت هاسليلين، وهي أم لثلاثة أطفال، إلى عجلة حفارة وطالبت العامل بإيقافها وإظهار الوثيقة البيئية. وفي مارس/آذار 2024، وُجهت إليها وإلى أندي فيرمانسياه تهمة تعطيل التعدين بموجب المادة 162.

برّأت المحكمة المتهمَين في أكتوبر/تشرين الأول 2024، معتبرة أن مطالبتهما بالحصول على المعلومات البيئية وممارسة الحق في بيئة سليمة مشروعة. وأيدت المحكمة العليا الحكم في يونيو/حزيران 2025. لكن الشركة واصلت العمل، وفق ما وثقته “هيومن رايتس ووتش”، وقال فيرمانسياه إن السكان أصبحوا مترددين في الاحتجاج مجدداً.

تكشف هذه الحالة أن أثر الملاحقة لا يتوقف عند الحكم. فالاعتقال والمحاكمة والتنقل إلى المحكمة وتكاليف الدفاع واحتمال السجن تستطيع كلها إنتاج ردع فعلي، حتى عندما تنتهي القضية بالبراءة.

التحول الأخضر 

تسيطر إندونيسيا على أكثر من 60% من الإنتاج العالمي للنيكل، بعدما ارتفع إنتاجها في 2024 إلى نحو 16 ضعف مستواه في 2015. وقد جعلتها تقنيات معالجة الخامات منخفضة التركيز مركزاً رئيسياً في السوق، لكنها تعني أيضاً الحاجة إلى مساحات أكبر من الأرض لإنتاج الكمية نفسها مقارنة بالخامات الأعلى تركيزاً.

لا يذهب النيكل الإندونيسي كله إلى بطاريات السيارات؛ تظل صناعة الفولاذ المقاوم للصدأ أحد مجالات استخدام المعدن الرئيسية . لكن تقنيات الطاقة النظيفة استحوذت على نحو 20% من الطلب العالمي على النيكل في 2024، وقد ترتفع حصتها إلى ما بين 40 و50% بحلول 2040، وفق توقعات وكالة الطاقة الدولية التي نقلتها “رويترز”.

وتستخدم “هاروم إنرجي” نفسها خطاب انتقال الطاقة لتفسير توسعها، إذ تصف النيكل بأنه مادة رئيسية ضمن سلسلة توريد بطاريات السيارات الكهربائية، وتربط استثماراتها في التعدين والمعالجة بمستقبل منخفض الكربون.

لكن خفض الانبعاثات في المنتج النهائي لا يجعل المادة الخام مستدامة تلقائياً. فالاستدامة تشمل أيضاً طريقة الاستحواذ على الأرض، والوصول إلى المياه، وحق المجتمعات في الحصول على المعلومات، ووجود آلية اعتراض لا تقود أصحابها إلى المحاكم.

تحرك حكومي انتقائي 

لا تتجاهل الحكومة الإندونيسية الأضرار البيئية بالكامل. ففي 2025، ألغت تراخيص أربع شركات تعدين في أرخبيل راجا أمبات، وأخضعت عمليات شركة “غاغ نيكل” للتدقيق بعد احتجاجات واسعة. لكن تقريراً نشرته “غرينبيس” في يوليو/تموز 2026 قال إن عمليات شركة “غاغ نيكل” ما تزال مستمرة، وإن ثلاثة طلبات لتراخيص تعدين النيكل في راجا أمبات قيد المعالجة. 

قالت شركة “أنتام”، المالكة لـ”غاغ نيكل”، إن عملياتها تقع خارج حدود الحديقة الجيولوجية التابعة لليونسكو، وإن التدقيق لم يثبت وجود مخالفات بيئية بل أوصى بإدخال تحسينات. وقالت وزارة التعدين إنها تتحقق من نتائج تقرير “غرينبيس”، بينما لم تقدم وزارة البيئة والشركات الأخرى رداً فورياً لرويترز.

يوضح هذا الخلاف أن القضية ليست صراعاً بسيطاً بين حكومة تريد التعدين ومجتمعات ترفض التنمية. لدى الدولة أدوات للتدقيق وإلغاء التراخيص، ولدى الشركات حجج تتعلق بالاستثمار والوظائف والالتزام بالقانون. لكن هذه الأدوات لا تعالج الخلل ما دامت الشكوى البيئية تحتاج إلى مسار طويل لإثباتها، بينما تستطيع الشرطة التحرك سريعاً عند توقف مشروع مرخص.

الاختبار الذي ينتظر النيكل  

لا يتطلب حل النزاع إيقاف صناعة النيكل الإندونيسية بأكملها. الاختبار الأقرب يتعلق بما إذا كانت الدولة ستسمح بفحص الترخيص والأثر البيئي وحقوق الأرض قبل استخدام القانون الجنائي ضد المحتجين.

وسيظهر ذلك في أربعة مؤشرات: ما إذا كان سيُقدَّم طعن دستوري جديد بصياغة أكثر إحكاماً، وإتاحة دراسات الأثر البيئي للسكان، وضمان الموافقة الحرة والمسبقة والمستنيرة للمجتمعات الأصلية، وطريقة تعامل “بي تي بوزيشن” مع اعتراضات مابا سانغاجي خلال خطط زيادة الإنتاج.

إذا استمر التوسع بينما يبقى السكان أمام خيارين، الصمت أو الاتهام بعرقلة التعدين، فلن تكون المشكلة أن التحول الأخضر يحتاج إلى النيكل. ستكون أن سلسلة القيمة تبدأ من أرض لا يستطيع أصحابها الاعتراض على استخراجها من دون أن يصبحوا هم القضية.