تفتح النمسا جبهة جديدة ضد “الإسلام السياسي”، بعدما أعلن المستشار كريستيان شتوكر عزمه الدفع نحو حظر دستوري لأيديولوجيا يرى أنها لا تكتفي بممارسة الدين، بل تسعى إلى تحويله إلى مشروع سياسي قادر على التأثير في المجتمع ومؤسسات الدولة وفرض منظومة قيم موازية للقانون.
تأتي هذه الخطوة في لحظة تتزايد فيها المخاوف النمساوية من التطرف الإسلامي، ومن قدرة بعض الشبكات على استغلال الجمعيات والمساجد والتعليم والعمل الاجتماعي والفضاء الرقمي لبناء نفوذ طويل الأمد داخل المجتمع. ولذلك، فإن المعركة المقبلة لا تتعلق بحرية العبادة، بل بحدود النشاط السياسي عندما يتحول الدين إلى أداة لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أسس تتعارض مع النظام الديمقراطي.
أعلن شتوكر أن حكومته تريد تنظيم ملف “الإسلام السياسي” على المستوى الدستوري، مؤكداً أن حرية العقيدة مكفولة، لكنها لا يمكن أن تكون غطاءً لإنشاء سلطات دينية موازية أو لفرض قواعد تتجاوز مؤسسات الدولة ومحاكمها وقوانينها.
تنتقل فيينا بهذا الطرح، من التعامل مع التطرف بوصفه مشكلة أمنية إلى محاولة تجفيف البيئة السياسية والاجتماعية التي تسمح للأيديولوجيات المتطرفة بالتوسع.
حسابات سياسية وأمنية
يقود شتوكر منذ مارس/أذار 2025 ائتلافاً يضم “حزب الشعب النمساوي” و”الحزب الديمقراطي الاجتماعي” و”نيوس”، بعدما تصدر “حزب الحرية” نتائج انتخابات 2024 من دون أن يتمكن من تشكيل الحكومة. لكن الملف الجديد يعيد “حزب الحرية” إلى المشهد من موقع مختلف. فقد جعل الحزب مكافحة “الإسلام السياسي” أحد أبرز عناوينه، وطرح سابقاً إجراءات شديدة الصرامة ضد التنظيمات والجمعيات التي يربطها بهذا التيار.
ويبدو أن شتوكر يدرك أن ترك الملف بالكامل لليمين المتشدد يسمح له باحتكار قضية باتت تحظى بحضور متزايد في النقاش العام. لذلك يحاول “حزب الشعب” نقل المواجهة إلى إطار حكومي ودستوري أكثر مؤسساتية، وربطها بحماية النظام الديمقراطي بدلاً من تركها مجرد شعار انتخابي.
لكن المبادرة تصطدم بحسابات البرلمان، إذ إن الائتلاف الحاكم لا يملك وحده أغلبية الثلثين المطلوبة لتعديل الدستور، لأن المشروع يحتاج إلى 122 صوتاً من أصل 183 نائباً في حال اكتمال الحضور. وهذا يعني أن تمريره سيتطلب دعماً من خارج الحكومة، ويمنح المعارضة قدرة كبيرة على التأثير في صياغته.
التطرف تحت المجهر
لا تستند الحكومة إلى خطاب سياسي فقط. فقد أظهر تقرير حماية الدستور النمساوي للعام 2025 أن التطرف الإسلامي يمثل أحد أخطر التهديدات للأمن الداخلي، مع تسجيل 306 أفعال مرتبطة بالتيارات الإسلامية، بزيادة 42.3% عن العام السابق.
والأخطر من الأرقام هو التحول في أدوات التطرف، إذ إن التجنيد لم يعد يعتمد فقط على المساجد أو الدوائر الدينية التقليدية، بل بات يستفيد من شبكات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية للوصول إلى الشباب ونشر الدعاية وبناء دوائر مغلقة من التأثير.
من جهتها، أعلنت مديرية حماية الدولة والاستخبارات النمساوية وجود مؤشرات على تأثير جماعة “الإخوان المسلمين” داخل جمعية DERAD، وهي منظمة نمساوية تعمل في مجال الوقاية من التطرف ومكافحته، ما دفع وزارة العدل إلى إنهاء تعاونها معها. ويمنح هذا التطور الحكومة دليلاً إضافياً على أن الخطر لا يقتصر على التنظيمات التي تتبنى العنف صراحة، بل يمتد إلى شبكات يمكن أن تعمل عبر المؤسسات المدنية والاجتماعية لبناء نفوذ أيديولوجي تدريجي.
وهنا تكمن إحدى أخطر سمات الإسلام السياسي: قدرته على استخدام أدوات الديمقراطية للوصول إلى المجتمع، ثم محاولة تغيير قواعده من الداخل.
معركة على تعريف الخطر
تواجه الحكومة، مع ذلك، مشكلة جوهرية: كيف يمكن تعريف “الإسلام السياسي” بصورة قانونية تمنع التلاعب بالمصطلح، من دون أن تجعل الحظر مجرد أداة سياسية؟
المطلوب ليس استهداف التدين أو الممارسة الدينية، بل مواجهة الأيديولوجيا التي تستخدم الدين لتبرير إنشاء سلطة سياسية أو اجتماعية فوق سلطة الدولة، أو لفرض قواعد موازية، أو لتقويض المساواة والحقوق الأساسية.
يختلف هذا جذرياً عن النشاط الديني المشروع، إذ إن المشكلة ليست في وجود مساجد أو جمعيات إسلامية، وإنما في تحويل هذه المؤسسات إلى أدوات للتعبئة السياسية أو نشر التطرف أو بناء مجتمعات مغلقة ترفض قواعد الدولة.
في الوقت ذاته، تراقب المؤسسات النمساوية طيفاً واسعاً من التنظيمات والتيارات، بينها جماعة “الإخوان المسلمين” و”ميلي غوروش” و”الذئاب الرمادية” وبعض التيارات السلفية وغيرها. ولا يعني ذلك أنها تنظيم واحد أو أنها تتبنى الأساليب نفسها، لكن القاسم الذي يهم الدولة هو النشاط الذي يمكن أن يتحول إلى تهديد للنظام الديمقراطي أو إلى قناة لنشر التطرف.
الشريعة خارج الدولة
ازداد الجدل حدة بعد ملف قضائي في فيينا العام 2025، عندما أيدت المحكمة تنفيذ حكم تحكيمي خاص في نزاع مالي استند إلى قواعد إسلامية اتفق عليها طرفا النزاع.
لم تكن القضية اعترافاً بالشريعة كنظام قانوني موازٍ في النمسا، لكنها تحولت إلى مادة سياسية لإثارة المخاوف من احتمال نشوء مساحات قانونية واجتماعية خارج سلطة الدولة.
واستغل “حزب الحرية” القضية للدفع نحو إجراءات أكثر تشدداً ضد “الإسلام السياسي”، بينما أعلن شتوكر لاحقاً رفضه قيام أي سلطة دينية تتجاوز الدستور والقانون.
المسألة هنا ليست دينية بقدر ما هي سيادية: الدولة لا تستطيع السماح بقيام منظومات اجتماعية تفرض قواعد ملزمة على مواطنيها خارج مؤسساتها، لأن ذلك يعني عملياً تفكيك مبدأ المساواة أمام القانون.
ديموغرافيا تضغط على الاندماج
تجري هذه المواجهة في مجتمع تغيرت تركيبته خلال العقدين الماضيين. فقد ارتفعت نسبة المسلمين في النمسا من 4.2% عام 2001 إلى 8.3% عام 2021، مع وصولها إلى 14.8% في فيينا.
وتبدو التحولات أكثر وضوحاً في المدارس. ففي العام الدراسي 2024/2025 شكّل الطلاب المسلمون 41.2% من طلاب المدارس الإلزامية العامة في فيينا، مقابل 34.5% للمسيحيين. وفي العام التالي بلغت نسبتهم 38.5% ضمن الفئات المدرسية التي شملتها البيانات، ووصلت إلى 46% في المدارس المتوسطة.
لا تعني هذه الأرقام أن الانتماء الإسلامي يساوي التطرف، لكن تجاهل أثر التحول الديموغرافي في الاندماج سيكون خطأً سياسياً. فكلما اتسعت الفجوة بين بعض المجتمعات المهاجرة والمؤسسات التعليمية والقانونية والثقافية للدولة، ازدادت مساحة العمل أمام التيارات التي تقدم نفسها بديلاً عن مؤسسات الاندماج.
ولهذا تتحول المدرسة إلى إحدى ساحات المواجهة الأساسية، ليس بسبب الدين، بل بسبب قدرتها على تشكيل علاقة الأجيال الجديدة بالدولة والقانون والمساواة.
الدستور يحسم المعركة
يبقى التحدي الأكبر دستورياً، إذ إن حرية العقيدة والضمير محمية في النمسا، كما تتمتع المادة التاسعة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان بمكانة دستورية، ما يجعل أي حظر واسع عرضة لاختبار قضائي صارم.
ولهذا لن يكون انتصار شتوكر مرهوناً فقط بتأمين 122 صوتاً في البرلمان؛ فالقانون يجب أن يثبت أن ما يستهدفه ليس الدين، وإنما النشاط المنظم الذي يهدد النظام الديمقراطي أو يسعى إلى إنشاء سلطة موازية أو يبرر التمييز والعنف وتقويض الحقوق الأساسية.
وإذا نجحت فيينا في صياغة هذا الخط الفاصل بوضوح، فقد تصبح تجربتها نموذجاً أوروبياً في مواجهة الإسلام السياسي، خصوصاً في ظل تنامي النقاش حول التيارات التي تعمل من داخل المؤسسات الديمقراطية بينما تستهدف، على المدى الطويل، القيم التي تقوم عليها تلك المؤسسات.
أما إذا فشلت في وضع تعريف دقيق، فقد يتحول المشروع إلى معركة دستورية طويلة.
في كل الأحوال، لم يعد “الإسلام السياسي” ملفاً هامشياً في النمسا. فقد انتقل من قضية أمنية إلى قضية تتعلق بسيادة الدولة، ومستقبل الاندماج، وقدرة المؤسسات الديمقراطية على حماية المجتمع من أيديولوجيا لا تخفي طموحها إلى إعادة تشكيله.
والاختبار الحقيقي أمام شتوكر ليس إعلان الحرب على هذه الأيديولوجيا، بل بناء الإطار القانوني القادر على تفكيك أدوات نفوذها وتجفيف مصادر تمددها، مع إبقاء الدولة واضحة في قاعدة واحدة: حرية الدين مصونة، لكن لا مكان لسلطة دينية فوق القانون ولا لأيديولوجيا تسعى إلى تقويض الدولة من داخلها.















