حذّر المدير التنفيذي لـ “وكالة الطاقة الدولية” فاتح بيرول من أن أسواق النفط العالمية قد تدخل “المنطقة الحمراء” خلال شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب المقبلين، مع تصاعد أزمة الإمدادات الناجمة عن الحرب المرتبطة بإيران، وتراجع المخزونات التجارية والاستراتيجية بالتزامن مع ذروة الطلب الصيفي على الوقود.
قال بيرول، خلال كلمة ألقاها في مركز “تشاتام هاوس” للأبحاث في لندن، إن استمرار تعطل تدفقات النفط من الشرق الأوسط وغياب أي تحسن ملموس في وضع مضيق “هُرمز” قد يدفع الأسواق إلى مرحلة حرجة غير مسبوقة، مضيفاً: “قد ندخل المنطقة الحمراء في يوليو/تموز أو أغسطس/آب إذا لم نشهد تحسناً في الوضع”.
تأتي تصريحات بيرول في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية واحدة من أعنف اضطرابات الإمدادات منذ سبعينيات القرن الماضي، بعدما تسببت الحرب الإيرانية والتوترات العسكرية في الخليج بإخراج أكثر من 14 مليون برميل يومياً من النفط من الأسواق العالمية، وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة.
“هُرمز” في قلب المعادلة الجيوسياسية
أعاد التصعيد العسكري في الخليج مضيق “هُرمز” إلى صدارة المخاطر الجيوسياسية العالمية، باعتباره الشريان الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية. ومع تقييد الملاحة وارتفاع المخاطر الأمنية والتأمينية للشحن البحري، أصبحت تدفقات الخام والغاز الطبيعي المسال أكثر هشاشة، ما انعكس مباشرة على الأسعار وسلاسل الإمداد والطاقة حول العالم.
وأكد بيرول أن الحل الوحيد الأكثر أهمية يتمثل في إعادة فتح المضيق بشكل كامل ومن دون شروط، لافتاً إلى أن عمليات السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، رغم ضخامتها، لا يمكن أن تشكل بديلاً دائماً عن عودة الإمدادات الطبيعية من الخليج.
وكانت “وكالة الطاقة الدولية” قد نسّقت أكبر عملية سحب جماعي من الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية في تاريخها، بإجمالي بلغ 400 مليون برميل، يتم ضخها حالياً للأسواق بمعدل يتراوح بين 2.5 و3 ملايين برميل يومياً، في محاولة لاحتواء موجة الأسعار وامتصاص صدمة الإمدادات. إلا أن حسابات الوكالة تشير إلى أن الجزء الأكبر من هذه الكميات سيُستهلك بحلول مطلع أغسطس/آب، وهو التوقيت ذاته الذي حذر بيرول من بلوغ الأسواق خلاله “المنطقة الحمراء”.
المخزونات تتآكل والأسعار تحت ضغط دائم
مع أن الأسواق دخلت الأزمة بفائض نسبي في المعروض النفطي، فإن هذا الهامش بدأ يتآكل سريعاً مع استمرار السحب من المخزونات التجارية والاستراتيجية، إضافة إلى تعطل الإنتاج والتصدير في عدة دول منتجة بالشرق الأوسط.
ووفق بيانات حديثة، تراجعت المخزونات النفطية العالمية خلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان بنحو 246 مليون برميل، في واحدة من أسرع وتيرات الانخفاض المسجلة تاريخياً. كما عدّلت وكالة الطاقة الدولية توقعاتها لسوق النفط في 2026، متوقعة عجزاً في الإمدادات بدلاً من الفائض الذي كانت ترجحه قبل اندلاع الأزمة.
ورغم التراجعات المحدودة التي شهدتها أسعار الخام خلال الأيام الأخيرة بفعل رهانات الأسواق على إمكانية التوصل إلى تهدئة سياسية، فإن خام برنت ما يزال يتحرك فوق مستويات 100 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، وسط تقلبات حادة تعكس هشاشة السوق الحالية.
مع ذلك، لم تدخل الأسواق بعد مرحلة “الصدمة الكاملة”، لأن الاحتياطيات الاستراتيجية ما تزال توفر غطاءً مؤقتاً، لكن استمرار الأزمة حتى ذروة موسم السفر الصيفي في الولايات المتحدة وأوروبا قد يدفع الأسعار إلى موجة صعود جديدة، مع ارتفاع الطلب على البنزين ووقود الطائرات.
العراق في دائرة القلق.. والخليج يملك أدوات التعافي
في تقييمه لقدرة دول المنطقة على التعافي، أبدى بيرول قلقاً خاصاً تجاه العراق، معتبراً أنه قد يكون الحلقة الأكثر هشاشة في مرحلة ما بعد الأزمة. وقال، إن بغداد تواجه ضغوطاً مالية كبيرة بسبب تراجع إيرادات النفط، فيما أجبر نقص سعات التخزين بعض الحقول النفطية على الإغلاق، ما سيجعل استعادة الإنتاج عملية أكثر تعقيداً وتكلفة.
في المقابل، أشار إلى أن دولاً خليجية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تمتلك قدرات مالية وتقنية متقدمة قد تساعدها على استعادة جزء من طاقتها الإنتاجية بوتيرة أسرع، خصوصاً مع وجود بنية تحتية أكثر تطوراً وخطط طوارئ لوجستية بديلة.
في هذا السياق، كانت شركة بترول أبوظبي الوطنية “أدنوك” قد حذرت من أن عودة التدفقات الكاملة عبر مضيق “هُرمز” قد لا تتحقق قبل عام 2027 حتى في حال توقف الحرب فوراً، ما يعكس حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وسلاسل النقل والطاقة في المنطقة.
أزمة تتجاوز النفط إلى الاقتصاد العالمي
لا تقتصر تداعيات الأزمة الحالية على أسواق الطاقة فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره، في ظل المخاوف من عودة الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف النقل والشحن والتصنيع. وتخشى البنوك المركزية الكبرى من أن تؤدي قفزة أسعار الطاقة إلى تعطيل مسار خفض أسعار الفائدة، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، بعدما كانت الأسواق تراهن على انحسار التضخم خلال النصف الثاني من العام.
كما بدأت الأزمة تدفع العديد من الحكومات إلى إعادة النظر في استراتيجيات أمن الطاقة، سواء عبر زيادة الاستثمارات في الطاقات المتجددة والنووية، أو عبر تسريع مشاريع خطوط الأنابيب البديلة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة جيوسياسياً.
وبينما تراهن الأسواق على نجاح المساعي الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، تبدو تحذيرات “وكالة الطاقة الدولية” بمثابة إنذار مبكر بأن العالم قد يقترب من اختبار طاقة جديد، قد يعيد رسم توازنات أسواق النفط والاقتصاد العالمي لسنوات مقبلة.















