بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

تقرير اقتصادي

المعادن النادرة ترسم خرائط نفوذ جديدة.. سباق هيمنة يبدأ من الغرافيت والليثيوم

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

برزت في السنوات الأخيرة “حروب المعادن الحيوية” كواحدة من أكثر الجبهات حساسية في الصراع الاقتصادي والأمني العالمي في القرن الحادي والعشرين، لتتحول القضية إلى محور تنافس استراتيجي، أعاد تشكيل سلاسل التوريد العابرة للقارات، وخلط أوراق الضغط الدولية بشكل حاسم.

اليوم تواجه هذه الموارد، من الليثيوم والكوبالت إلى الغرافيت وغيرها من السلع الأرضية النادرة التي تدخل في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والأنظمة الدفاعية المتطورة، نقاط ضعف غير مسبوقة، تفاقمت في ظل التركيز الجغرافي الشديد، أو ما يُعرف بـ “الأحادية”، والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة.

مورد الطاقة والتكنولوجيا وأنظمة الأمن

لم تعد هذه المعادن مجرد مدخلات صناعية في الهواتف الذكية أو توربينات الرياح، بل تحوّلت إلى عنصر حاسم في معادلة الأمن القومي والاقتصادي وتقنيات الدفاع. تحتوي المقاتلات الحديثة مثل طائرات “إف 35″، وصواريخ “توماهوك”، وأنظمة الرادار، والطائرات المسيّرة، على كميات ضئيلة من عناصر أرضية قد تحتاج إلى تراخيص تصدير من دول أجنبية. كما أنه مع تنامي الطلب على السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يرتفع الطلب على المعادن الحيوية بما يصل إلى ستة أضعاف بحلول عام 2040.

ما يجعلها “نادرة” بحق، هو غياب البدائل التقنية لها. فمعظم هذه العناصر لا يمكن استبدالها بمواد أخرى من دون الإضرار بالكفاءة أو الأداء، ما يجعل أي اضطراب في الإمدادات قادراً على شلّ صناعات بأكملها، من الإلكترونيات إلى الدفاع والطاقة.

الصين.. من البناء الصامت إلى الهيمنة العالمية

لم تكن هيمنة الصين على سلاسل توريد المعادن الحيوية مصادفة، بل نتاج استراتيجية ممنهجة، وصامتة، امتدت لأكثر من عقدين. فمنذ مطلع الألفية، استثمرت بكين عبر شركاتها الحكومية والخاصة في المناجم ومعامل التكرير ذات الصلة داخل البرّ الرئيسي وخارجه، لتصبح اليوم صاحبة اليد العليا في السوق العالمي.

تشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى أن الصين تنتج نحو 60% من المعادن الأرضية النادرة في العالم، وتستحوذ على 85% إلى 90% من قدرات التكرير والمعالجة، كما تسيطر على قرابة 80% من سعة تصنيع بطاريات الليثيوم أيون. واستناداً إلى ما سبق، تكشف هذه الأرقام عمق النفوذ الصيني في كل حلقة من سلاسل الإمداد، بدءاً من الاستخراج وحتى التصنيع النهائي.

عنق الزجاجة العالمي 

استغلت الصين هيكل اقتصادها الموجه لتنفيذ ما يُطلق عليه خبراء الصناعة “خطةً استراتيجية مُنسقة”، تعمل من خلالها مؤسسات الدولة بخسائر مقصودة لخدمة أهداف استراتيجية وفق نمط طويل الأجل، فيما كانت الشركات الخاصة في الأسواق الغربية تستهدف الربح الفوري لإرضاء المساهمين. 

أدّى هذا النهج إلى إحداث نقاط اختناق متعددة في سلاسل التوريد العالمية، مع تمركز مرافق المعالجة والتكرير في الصين. وبذلك، استطاعت البلاد أن تبني ما يُسمى “عنق الزجاجة العالمي”، حيث تمرّ معظم المواد الخام للمعادن النادرة، حتى المستخرجة من دول مثل البرازيل أو أستراليا، عبر مصانع التكرير الصينية قبل أن تصل إلى الأسواق الغربية.

تصعيد أكتوبر والتحوّل إلى سلاح اقتصادي

في أكتوبر/تشرين الأول 2024، فرضت بكين قيوداً جديدة على تصدير المعادن الحيوية، شملت ليس فقط المواد الخام، بل أيضاً نقل التكنولوجيا والخبرات الفنية والمنتجات التي تحتوي على نسب ضئيلة من تلك السلع. ومثّلت الخطوة تصعيداً غير مسبوق في “تسليح سلاسل التوريد الاستراتيجية”، بما يعكس استخدام المعادن الحيوية كسلاح تفاوضي. وباتت منتجات غربية، من بينها معدات دفاعية، تحتاج فعلياً إلى تراخيص تصدير صينية.

رداً على ذلك، لوحّت الولايات المتحدة بإمكانية فرض تعرفة جمركية بنسبة 100% على الصين. وبالطبع، تفاعلت أسواق المال العالمية بسرعة مع هذه التطورات، وشُطبت أكثر من 1.5 تريليون دولار من  القيمة السوقية للشركات العالمية خلال أيام. إلا أن الرئيس الأمريكي أقرّ لاحقاً بأن مثل هذه الرسوم “غير مستدامة” على المدى الطويل، في ظل الاعتماد البنيوي على الصين في هذه السلاسل.

تعكس هذه القيود تحول الصين نحو استخدام الاقتصاد كأداة نفوذ جيوسياسي، فبدلاً من المواجهة العسكرية، تمنحها السيطرة على المعادن الحيوية قدرة على التأثير في السياسات الدفاعية والتجارية للدول الأخرى. وهذا ما وصفه محللون بأنه “صراع القرن الجديد على المواد الخام”، الذي يتجاوز النزاعات التجارية التقليدية نحو معركة على السيادة التكنولوجية والأمن القومي.

الرد الأمريكي.. من الرسوم إلى “الصداقة الإنتاجية”

وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية غير مسبوقة، فلا يمكن مواجهة الهيمنة الصينية عبر الرسوم وحدها، لأن البدائل ببساطة غير متوفرة بالحجم الكافي. من هنا اتجهت واشنطن إلى مقاربة متعددة الأدوات، تشمل التحفيز الصناعي، وتمويل الإنتاج المحلي، وتوسيع الشراكات مع الحلفاء.

لأجل ذلك، خصص قانون “الرقائق والعلوم” الأمريكي نحو 52.7 مليار دولار لدعم تصنيع أشباه الموصلات وتأمين سلاسل الإمداد، فيما أقرّ البنتاغون تمويلاً إضافياً بقيمة 35 مليون دولار لمشاريع إنتاج المعادن الأرضية النادرة داخل الولايات المتحدة. 

استحدثت واشنطن مفهوم “الصداقة الإنتاجية”، أو “مبادرة “دعم الأصدقاء”، وهو نموذج يقوم على بناء سلاسل توريد مع دول حليفة موثوقة بدل الاعتماد على خصوم محتملين. هذا النهج يهدف إلى زيادة الأمن الاقتصادي عن طريق تنويع مصادر المواد والمنتجات الرئيسة، والحدّ من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على عدد محدود من الشركاء، خصوصاً في أوقات التوترات الجيوسياسية. 

في 2022، طرحت وزيرة الخزانة الأمريكية جانيت يلين استراتيجية “التصنيع المحلي المرن” أو “التعاون المرن”. وتهدف إلى مقاربة وسطى لتقوية الاقتصاد الأمريكي من جهة وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على سلاسل الإمداد الصينية. وتقوم هذه السياسة على شبكة مترابطة من الدول، بحيث تُسهم كل دولة بما تمتلكه من ميزة تنافسية ضمن منظومة موحدة.

من أبرز هذه الشراكات:

– الممر البرازيلي–الفيتنامي للعناصر النادرة، الذي قد يتيح الوصول إلى 37% من الإمدادات العالمية.

– اتفاقات أمريكية–أسترالية لزيادة إنتاج الليثيوم والعناصر النادرة.

– تحالف اليورانيوم بين كندا وأستراليا وناميبيا لتأمين إمدادات الوقود النووي.

– شراكات الغرافيت بين الفلبين واليابان لتقليل الاعتماد الآسيوي على الصيني.

مفاتيح أمن المعادن في المستقبل

تُقدَّر احتياطات المعادن الأرضية النادرة في العالم بنحو 90 مليون طن حتى عام 2024، وفقاً لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية. وتتصدر الصين القائمة بـ 44 مليون طن، تليها البرازيل بـ 21 مليون طن، ثم الهند بـ 6.9 مليون طن، وأستراليا بـ 5.7 مليون طن، وروسيا بـ 3.8 مليون طن. كما تمتلك فيتنام نحو 3.5 مليون طن، والولايات المتحدة 1.9 مليون طن، في حين تُقدَّر احتياطات غرينلاند بـ 1.5 مليون طن، وتنزانيا بـ 890 ألف طن، وجنوب إفريقيا بـ 860 ألف طن.

  • البرازيل

برزت البرازيل بوصفها أحد اللاعبين المحوريين في مبادرة “دعم الأصدقاء”، وذلك بفضل برنامج “أوروليغال بلس” الذي نظّم عمل أكثر من 120 ألف عامل تعدين حر منذ مطلع العام، وخفّض استخدام الزئبق بنسبة 40%. وتمتلك البرازيل كميات كبيرة من الغرافيت المستخدم في البطاريات، ما يجعلها نقطة ارتكاز في تحول الطاقة العالمي.

  • أستراليا

تحتضن أستراليا نحو 30% من احتياطات العالم الاقتصادية من العناصر النادرة، وتتميز ببيئة تنظيمية شفافة واستقرار سياسي يجعلها شريكاً مثالياً للولايات المتحدة واليابان في إعادة رسم سلاسل الإمداد.

  • مثلث الليثيوم: بين بوليفيا وتشيلي والأرجنتين

تشكل هذه البلدان معاً وفق بيانات تقديرية 60% من احتياطات الليثيوم العالمية، أهم عنصر من عناصر تصنيع بطاريات المركبات الكهربائية. وتراهن عليهم واشنطن لبناء سلسلة إمداد أمريكية-لاتينية آمنة ومستقرة، نظراً لخبرتهم العريقة في مجال التعدين.

وفي خطوة غير مسبوقة، اشترى البنتاغون حصة 15%، بقيمة 400 مليون دولار، في شركة “إم بي ماتيريالز”، المنتج الأمريكي الوحيد للعناصر النادرة. مع ضمان سعر أدنى قدره 110 دولارات للكيلوغرام، أي ضعف أسعار السوق الحالية. والهدف هو طمأنة المستثمرين، ودفع مؤسسات مالية كبرى، مثل “جيه بي مورغان” و”غولدمان ساكس” إلى ضخ تمويلات طويلة الأجل في القطاع.

هيكل استثماري ثلاثي المستويات

يتضمن نموذج الاستثمار العام والخاص الناجح هيكلاً استثمارياً ثلاثي المستويات، يوازن بين المصالح الاستراتيجية للحكومة الأمريكية، وكفاءة القطاع الخاص، من خلال:

  1. رأس مال حكومي تأسيسي يقلل المخاطر في المراحل الأولى.
  2. يُوفر تنفيذ مشاريع الاستثمار الخاص الخبرة الفنية وقدرات إدارة المشاريع. 
  3. تضمن اتفاقات شراء المعدات الأصلية تدفقات طلب وإيرادات طويلة الأجل.

تسعى هذه المقاربة إلى كسر هيمنة الشركات الصينية المدعومة حكومياً، وتوفير إطار تمويلي مرن وطويل الأمد لتطوير المناجم والبنية التحتية المرتبطة بها.

آفاق المستقبل: بين الاعتماد والتوازن

تُقدّر وكالة الطاقة الدولية أن الطلب العالمي على المعادن الحيوية سوف يشهد قفزات حادة خلال العقد المقبل، مدفوعاً باتجاهات متقاربة عدة. وذكرت الوكالة أن الطلب على “الليثيوم” سيرتفع إلى ما بين 300% و400%، وعلى “الكوبالت” ما بين 200% و250%، وعلى العناصر النادرة التي تدخل في تصنيع توربينات الرياح بحدود 150% و200%، أما الطلب على “الغرافيت” فسينمو تقديراً بمقدار 400% و500%.

تعكس هذه النسب حجم التحول نحو الطاقة النظيفة، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة الإمدادات العالمية إذا استمرت مركزيتها في دولة واحدة.

سيناريوهات الصراع المقبل

  1. نجاح التحالفات الغربية في بناء سلاسل توريد بديلة متكاملة تُخفّض حصة السوق الصينية إلى 50%، مع استقرار الأسعار ضمن إطار تعاوني.
  2. استمرار الهيمنة الصينية على سوق المعادن النادرة، وتحوّل القيود التصديرية إلى أداة دائمة للنفوذ السياسي.
  3. تجزئة سلاسل التوريد العالمية إلى كتل إقليمية متنافسة، ترتفع فيها الكلفة وتقل الكفاءة، بحيث يختنق الابتكار، وينحصر داخل أنظمة بيئية تكنولوجية منفصلة.

الاحتمال المنطقي المُرجّح، هو مزيج من هذه السيناريوهات، مع تفاوت بين المعادن والبلدان وفقاً للجغرافيا والسياسة والتكنولوجيا.

في المحصلة، تعمل الصين على ترسيخ مكانتها كـ”مصفاة العالم”، وتسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى إنشاء منظومة توريد قائمة على الثقة المتبادلة والاستدامة. وستكون الجهة التي تنجح في بسط سيطرتها على هذه السلاسل الحساسة هي من سترسم ملامح الاقتصاد العالمي، وربما ميزان القوة السياسية، لعقود مقبلة. إن موارد النفوذ في القرن الحادي والعشرين لم تعد النفط والغاز، بل المعادن الحيوية النادرة.