بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تقرير سياسي

الكويت تُدرج مستشفيات لبنانية على لوائح الإرهاب وتكسر وهم الفصل بين المدني ومنظومة حزب الله العسكرية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يأتي قرار دولة الكويت إدراج ثماني مستشفيات لبنانية على لوائح الإرهاب كخطوة سيادية محسوبة، تعبّر عن تحوّل نوعي في مقاربة دول الخليج لملف حزب الله وشبكاته العابرة للقطاعات. القرار لا يستهدف قطاعاً صحياً بحد ذاته، ولا ينطلق من اعتبارات إنسانية أو إدارية، بل يقوم على تشخيص أمني–سياسي واضح، وهو أن هذه المؤسسات ليست كيانات مستقلة، بل أجزاء فاعلة ضمن منظومة تنظيم مصنّف إرهابياً.

بهذا المعنى، لا يعبّر القرار الكويتي عن تصعيد استثنائي، بقدر ما هو تصحيح لمسار طويل من التغاضي الدولي، وانتقال من سياسة الفصل الوهمي بين المدني والعسكري، إلى سياسة تسمية الأمور بأسمائها.

حركة مقاومة أم منظومة سيطرة؟

المشكلة الأساسية في النقاش الدائر حول القرار الكويتي هي الإصرار على التعامل مع حزب الله كتنظيم تقليدي يمكن حصره بجناح عسكري أو قيادة سياسية. لكن الواقع مختلف كلياً، فالحزب هو مشروع سيطرة متكامل، يقوم على بناء دولة داخل الدولة، ويستخدم المؤسسات المدنية ليس كخدمة عامة، بل كجزء من بنيته الاستراتيجية.

الصحة، كما التعليم والإعلام، ليست قطاعاً محايداً في قاموس حزب الله، بل هي أداة نفوذ وإحدى ركائز تثبيت السيطرة الاجتماعية، ووسيلة لتكريس الولاء وربط المجتمع مباشرة بالتنظيم بدل الدولة. من هنا، فإن الحديث عن «مستشفيات مستقلة» في مناطق يهيمن عليها الحزب هو تبسيط ساذج، أو تضليل مقصود.

الملكية القانونية خدعة مكرّسة

أحد أكثر الأساليب استخداماً للدفاع عن هذه المؤسسات هو التذرّع بعدم وجود ملكية رسمية مباشرة لحزب الله. هذا المنطق لا يصمد أمام أي تدقيق جدي. فالتنظيمات المصنّفة إرهابية لا تُدار بالسجلات التجارية، ولا تُعلن ملكيتها كما تفعل الشركات. ما يُعتمد هو السيطرة الفعلية، لا الورقية؛ النفوذ، لا الأوراق الرسمية.

حين تُدار المؤسسات من شخصيات محسوبة على الحزب، وتعمل ضمن بيئته، وتؤدي وظيفة تخدم استمراريته، فهي جزء منه، سواء اعترف بذلك أم لا. والإصرار على تجاهل هذا الواقع، هو مشاركة مباشرة في حماية شبكة النفوذ.

الجغرافيا ليست بريئة

تشمل القائمة التي أدرجتها الكويت ثمانية مستشفيات لبنانية تقع جميعها في مناطق يسيطر عليها حزب الله بالكامل، لتوضح كيف تحوّل القطاع الصحي إلى جزء من منظومة إرهابية متكاملة. المستشفيات هي: مستشفى الشيخ راغب حرب الجامعي في النبطية، مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل، مستشفى الأمل ومستشفى دار الحكمة في بعلبك، مستشفى سان جورج في الحدت، مستشفى البتول في الهرمل بالبقاع، مستشفى الشفاء في خلدة، ومستشفى الرسول الأعظم في طريق المطار ببيروت. 

تقع جميع هذه المؤسسات في معاقل تقليدية للحزب، حيث يسيطر على الإدارة والتمويل والقرار السياسي والأمني، ما يجعلها أدوات حقيقية لدعم نفوذ الحزب وتثبيت سيطرته، وليست مجرد مرافق طبية محايدة كما يزعم البعض.

لم يكن وجود هذه المستشفيات ضمن مناطق السيطرة المطلقة للحزب صدفة يوماً، فالتنظيم لا يترك فراغاً مؤسسياً في مناطقه ولا يسمح بوجود مرافق كبرى خارج منظومته. من يسيطر على الأرض، يسيطر على المؤسسات، ومن يسيطر على المؤسسات، يسيطر على المجتمع. ووصف أي من هذه المستشفيات بأنها «مدنية» لمجرد أنها لا تحمل شعار الحزب، يشبه الادعاء بأن أي مؤسسة في دولة بوليسية مستقلة يمكن اعتبارها مستقلة لأنها لا ترفع صورة الزعيم على أبوابها.

التمويل: القلب الحقيقي للمعركة

كل المواجهة مع حزب الله اليوم تدور حول التمويل. السلاح مهم، لكنه بلا مال يتحول إلى عبء. لذلك، تُعد المؤسسات الخدمية، وعلى رأسها المستشفيات، جزءاً أساساً من شبكة الصمود المالي للحزب. فواتير، تبرعات، مساعدات، تحويلات، علاقات مع موردين، وكلها عناصر يمكن استخدامها لتدوير الأموال أو تخفيف العبء عن البنية العسكرية.

القرار الكويتي لا يحتاج إلى عرض فواتير علنية ليكون مفهوماً. هو يقول ببساطة: هذه المؤسسات جزء من شبكة يُشتبه بأنها تخدم تنظيماً إرهابياً، وهذا كافٍ لإدراجها. ومن يطالب بأدلة علنية يتجاهل طبيعة العمل الأمني، أو يحاول كسب الوقت.

الخطأ الأكبر الذي ارتكبه لبنان، وشاركه فيه جزء من المجتمع الدولي، هو التساهل مع فكرة أن حزب الله يمكن احتواؤه عبر الفصل بين جناحه العسكري وباقي أنشطته. هذا الوهم هو ما سمح للحزب بالتغلغل في كل القطاعات، ثم الادعاء بالبراءة كلما طُرحت مسألة المحاسبة. والقرار الكويتي يوجّه رسالة واضحة: لا يوجد مستشفيات محايدة، ولا جمعيات بريئة، داخل منظومة حزب الله.

الكويت لم تبتكر مقاربة جديدة، بل لحقت بما تأخر تطبيقه. وهي، في ذلك، لا تستهدف لبنان كدولة، بل تستهدف تنظيماً صادر الدولة ويستخدم مؤسساتها غطاءً. المرحلة تغيّرت.. ولأن الدول التي تعتبر حزب الله تهديداً لم تعد مستعدة للتعامل مع نصف الحقيقة. لأن ترك هذه الشبكات تعمل بلا مساءلة يعني الإقرار الضمني باستمرار نفوذ التنظيم وتوسعه.

لبنان يدفع ثمن التساهل

القرار الكويتي ليس استثناءً، بل بداية مسار، ونتيجةٌ طبيعية لسنوات من الإنكار اللبناني الرسمي. فحين تفشل الدولة في ضبط مؤسساتها، وتُترك القطاعات الحيوية رهينة تنظيم مسلح، يصبح الخارج هو من يفرض معاييره، شاء اللبنانيون أم أبوا. وكل من لا يزال يراهن على حماية المؤسسات «المدنية» التابعة لحزب الله، يراهن على وهم انتهت صلاحيته. إذن، اللوم لا يقع على من صنّف، بل على من سمح لهذا الواقع أن يتكرّس حتى بات تصنيف المستشفيات أمراً ممكناً.

لا يمكن لحزب الله أن يرفع السلاح بيد، ويدير شبكة مؤسسات باليد الأخرى، ثم يطالب العالم بأن يميّز بينهما. المعطف الأبيض لا يمحو طبيعة المشروع، ولا يمنح حصانة تلقائية. ومن اختار أن يكون جزءاً من منظومة تنظيم مصنّف إرهابياً، فليتحمّل نتائج قراره، مهما كان العنوان الذي يعمل تحته.