بين عامي 2025–2026، تكشّف في منطقة الساحل الإفريقي تحوّل نوعي في بنية الجماعات الجهادية، وعلى رأسها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتنظيم داعش. لم يعد الحديث يدور عن خلايا تضرب ثم تختفي، بل عن معسكرات تدريب ثابتة، وبرامج تأهيل طويلة الأمد، ومنظومة استقطاب اجتماعي–اقتصادي تشبه إلى حد بعيد ما عرفته أفغانستان في تسعينيات القرن الماضي.
هذا التحول يعكس فشلاً مركباً لاستراتيجيات مكافحة الإرهاب أمنياً وتنموياً في آن واحد. في الوقت الذي ركّزت فيه جيوش المنطقة وحلفاؤها الدوليون على الضربات الجوية والطائرات المسيّرة، أعادت التنظيمات الجهادية ترتيب صفوفها على الأرض. انسحاب أو تقلّص برامج الأمم المتحدة الإنمائية من مناطق ريفية واسعة، وتراجع الخدمات الأساسية، خلق فراغاً لم تملأه الدولة.
من هنا دخلت التنظيمات بوصفها فاعلاً بديلاً: يوفر الإيواء، والطعام، والتدريب، بل وحتى “المكانة” الاجتماعية، في بيئات يهيمن عليها الفقر والإحباط والبطالة.
معسكرات القاعدة: ذاكرة أفغانستان تُعاد إنتاجها
مواد دعائية نُشرت عبر “الزلاقة” وتداولها ناشطون على منصة (X) خلال 2025–2026، كشفت عن شبكة معسكرات تدريب تحمل أسماء قادة تاريخيين للتنظيم، في استحضار رمزي لتجربة القاعدة في أفغانستان:
- معسكر عبد الحميد أبو زيد (كيدال): تخريج دفعات مقاتلين بعد دورات تدريبية مكثفة (يناير 2026).
- معسكر أبو عيسى الأنصاري: تدريبات ميدانية على الحركة والكمائن (يناير 2026).
- معسكر إلياس الأنصاري: برنامج تدريبي منظّم (نوفمبر 2025).
- معسكر القائد عبد الحق: نشاط تدريبي وتعبوي (يناير 2026).

هذه المعسكرات ليست فقط مراكز تدريب عسكري، بل فضاءات اجتماعية مغلقة تعيد تشكيل هوية المنتسبين، تماماً كما فعلت القاعدة الأم حين حولت معسكراتها في أفغانستان إلى مدارس أيديولوجية تنتج المقاتل والمؤمن بالسردية في آن واحد.
الاستقطاب الاجتماعي: من القرى إلى المعسكر
أحد أخطر أوجه هذا التحول هو الاستقطاب الواسع للشباب الريفي. تقديرات أمنية ومحلية تشير إلى انضمام آلاف الشبان من القرى والمناطق النائية إلى معسكرات التدريب، لا بدافع أيديولوجي صرف، بل هروباً من:
أولاً: الفقر المدقع وانعدام فرص العمل.
ثانياً: الإحباط وانسداد الأفق بعد تراجع المشاريع التنموية.
ثالثاً: الفراغ الذي خلّفه انسحاب أو توقف برامج الدعم الدولية.
في هذه المعسكرات، يجد الشاب ما حُرم منه في قريته: سقفاً يؤويه، وطعاماً منتظماً، وتدريباً، وشعوراً بالانتماء والتقدير. هذا النموذج يعيد إنتاج تجربة أفغانستان، حيث تحولت المعسكرات إلى شبكات حماية اجتماعية بديلة للدولة، وهو ما يفسر قدرة التنظيم على التجدد البشري المستمر.
محتوى التدريب: من القتال إلى “إدارة المقاتل”
التدريب لم يعد مقتصراً على الرماية أو اللياقة البدنية، بل يشمل:
- تمارين تكتيكية تحاكي سيناريوهات الكمائن والحصار.
- استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.
- التعامل مع الطائرات المسيّرة والمتفجرات.
- إعداد دعائي وتجنيدي يرسّخ السردية التنظيمية.
- الهدف هو إنتاج مقاتل متعدد الوظائف، قادر على القتال، والرصد، والتأثير الدعائي داخل مجتمعه.
في المقابل، يعمل “داعش” على بناء نموذج مشابه في المثلث الحدودي بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. معسكراته أقل ظهوراً إعلامياً، لكنها تستند إلى المنطق ذاته: استقطاب شباب مهمّشين في مناطق حدودية مفتوحة، وتقديم التنظيم بوصفه ملاذاً من الفوضى والفقر. هكذا يتحول الساحل إلى مسرح تنافس مزدوج: عسكري وبشري.
فشل الحرب على الإرهاب: قراءة في الجذور
بعد أكثر من عقد على إطلاق عمليات مكافحة الإرهاب، تكشف الوقائع عن إخفاق بنيوي، عبر الاعتماد على الضربات الجوية دون استعادة السيطرة البرية مع غياب مشروع تنموي مستدام في الريف. وانسحاب الفاعلين الدوليين التنمويين وترك فراغ قاتل. هذا الفشل لم يضعف التنظيمات، بل مكّنها من لعب دور الدولة البديلة.
الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في السلاح، بل في قدرة التنظيمات على ابتلاع الفئات الشابة المهمّشة. انتشار معسكرات القاعدة من كيدال مروراً بتمبكتو وجنوباً، مقابل تمركز داعش في المثلث الحدودي، ينذر بتكريس جغرافيا جهادية مستقرة. من دون معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية، سيبقى الساحل يعيد إنتاج النموذج الأفغاني، لكن هذه المرة في قلب غرب إفريقيا.















