بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

مقالات مشابهة

معارك ترامب

الفيدرالي يكسب جولة في معركة الاستقلالية.. قضية “ليزا كوك” ترسم حدود نفوذ ترامب

بقلم هاشم نذير
بقلم هاشم نذير

رفضت المحكمة العليا الأمريكية السماح للرئيس دونالد ترامب بإقالة عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك، في قضية مثّلت اختباراً دستورياً غير مسبوق للعلاقة بين البيت الأبيض والبنك المركزي، أكثر من كونها انتصاراً قانونياً لموظفة حكومية. فالقرار يُرسل رسالة مفادها أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي لا تزال تتمتع بحماية مؤسساتية، حتى وإن أصبحت هدفاً مباشراً للصراع السياسي في واشنطن.

ورغم أن المحكمة لم تحسم أصل النزاع نهائياً، بل رفضت طلباً حكومياً عاجلاً لإبعاد كوك أثناء استمرار التقاضي، فإن الأثر الحقيقي للحكم يتجاوز الأبعاد القانونية، إذ يعيد التأكيد على أحد أهم المبادئ التي قامت عليها السياسة الاقتصادية الأمريكية منذ أكثر من قرن، وهو الفصل بين القرار النقدي والمصالح السياسية قصيرة الأجل.

الأولى في تاريخ الفيدرالي 

تكمن أهمية القضية في أنها تمثل أول محاولة لرئيس أمريكي لإقالة أحد محافظي الاحتياطي الفيدرالي منذ إنشاء البنك المركزي في العام 1913، وهو ما جعلها سابقة دستورية ومالية في آن واحد. فالقانون الأمريكي منح أعضاء المجلس فترات ولاية طويلة تمتد إلى 14 عاماً، مع اشتراط وجود “سبب مشروع” لعزلهم، بهدف حماية قرارات أسعار الفائدة من التقلبات السياسية والانتخابية.

وقد رأت المحكمة العليا، بأغلبية خمسة قضاة مقابل أربعة، أن إدارة ترامب لم تمنح ليزا كوك الضمانات القانونية الكافية للدفاع عن نفسها قبل اتخاذ قرار الإقالة، وهو ما اعتبره رئيس المحكمة جون روبرتس إخلالاً بالإجراءات التي يفرضها القانون، دون أن يحسم صحة الاتهامات نفسها.

لكن الرسالة الضمنية للحكم كانت أكثر وضوحاً، إذ شدد روبرتس على أن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي تمثل تقليداً مؤسسياً راسخاً في النظام الأمريكي، لا يجوز المساس به عبر قرارات تنفيذية منفردة.

الفائدة كخلفية سياسية للنزاع 

رغم استناد ترامب إلى مزاعم غير مثبتة تتعلق بملف احتيال عقاري، فإن القضية ارتبطت في نظر كثير من المراقبين، بحسب موقف كوك القانوني، بالخلاف المتصاعد حول السياسة النقدية.

فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ ترامب انتقاداته المتكررة للفيدرالي، معتبراً أن أسعار الفائدة المرتفعة تعرقل النمو الاقتصادي وتضعف تنافسية الاقتصاد الأمريكي، في حين يواصل مسؤولو البنك المركزي التأكيد على أن قراراتهم تستند إلى مؤشرات التضخم وسوق العمل وليس إلى الاعتبارات السياسية.

في هذا الإطار، قالت كوك ومحاموها إن محاولة إقالتها ارتبطت برفضها الخضوع لضغوط سياسية تتعلق بمسار الفائدة، معتبرة أن القضية تمثل دفاعاً عن استقلال المؤسسة أكثر من كونها دفاعاً عن منصبها الشخصي.

لماذا الخشية من تسييس الفيدرالي؟

تنظر الأسواق العالمية إلى استقلالية البنوك المركزية بوصفها أحد أهم عوامل استقرار الاقتصادات الحديثة. فإذا أصبحت قرارات أسعار الفائدة رهناً بالاعتبارات الانتخابية، فقد تميل الحكومات إلى فرض سياسات نقدية توسعية تحقق مكاسب قصيرة الأجل على حساب استقرار الأسعار، وهو ما يقود عادة إلى موجات تضخم مرتفعة واضطرابات في أسواق السندات والعملات.

ولهذا السبب، يُعتبر الاحتياطي الفيدرالي المؤسسة الأكثر تأثيراً في النظام المالي العالمي، ليس فقط لأنه يحدد تكلفة الاقتراض داخل الولايات المتحدة، بل لأن الدولار يمثل العملة الاحتياطية الأولى عالمياً، فيما تشكل سندات الخزانة الأمريكية المرجع الأساسي لتسعير الأصول حول العالم.

ومن هنا، فإن أي تشكيك في استقلالية الفيدرالي لا ينعكس على الاقتصاد الأمريكي وحده، بل يمتد إلى الأسواق العالمية وأسعار العملات والسلع وحتى تدفقات الاستثمار الدولية.

حدود جديدة لسلطة الرئيس

المفارقة أن المحكمة العليا، التي وسعت في أحكام أخرى صلاحيات الرئيس تجاه عدد من الهيئات الفيدرالية المستقلة، اختارت التعامل مع الاحتياطي الفيدرالي بوصفه حالة استثنائية تستحق حماية خاصة، في إشارة إلى المكانة الفريدة التي يتمتع بها المركزي داخل النظام الدستوري والاقتصادي الأمريكي.

وهذا يعني أن القضاء الأمريكي لم يغلق الباب نهائياً أمام إمكانية عزل أعضاء مجلس المحافظين، لكنه أكد أن ذلك لا يمكن أن يتم بقرار سياسي مجرد، بل وفق معايير قانونية وإجرائية صارمة.

في الوقت نفسه، أعادت المحكمة القضية إلى المحاكم الأدنى لاستكمال النظر في الاتهامات الموجهة إلى كوك، ما يؤكد أن النزاع القضائي لم ينته بعد، وأن إدارة ترامب لا تزال قادرة على مواصلة معركتها القانونية، وإن كانت قد خسرت الجولة الأهم المتعلقة بإبعادها الفوري عن منصبها.

اختبار مستمر للاستقلالية

تأتي هذه القضية في وقت يواجه فيه الاحتياطي الفيدرالي تحديات معقدة تتعلق بموازنة مكافحة التضخم مع الحفاظ على النمو الاقتصادي، بينما تتزايد الضغوط السياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي واستمرار الجدل حول توقيت خفض أسعار الفائدة.

وبناء عليه، فإن أي انطباع بتراجع استقلالية البنك المركزي قد يرفع علاوة المخاطر على الأصول الأمريكية، ويزيد تقلبات الأسواق، ويؤثر في مصداقية السياسة النقدية التي بنتها الولايات المتحدة على مدى عقود.

بالنسبة لترامب، تتجاوز القضية شخص ليزا كوك، لتمثل جزءاً من رؤية أوسع لتعزيز السلطة التنفيذية على المؤسسات المستقلة. أما بالنسبة إلى الأسواق، فإن الحكم قد يشير، ولو مؤقتاً، إلى أن الفيدرالي لا يزال يتمتع بالحماية القانونية اللازمة لمواصلة اتخاذ قراراته بعيداً عن الضغوط السياسية.

صحيح أن ليزا كوك ربحت معركة الحفاظ على منصبها، لكن القضية كشفت أن حرية قرارات الاحتياطي الفيدرالي أصبحت هي نفسها محل اختبار سياسي وقضائي غير مسبوق. والنتيجة النهائية لن تحدد فقط مستقبل عضو في مجلس المحافظين، بل قد ترسم أيضاً ملامح العلاقة بين البيت الأبيض والبنك المركزي الأمريكي لسنوات طويلة مقبلة.