يستعد بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك لتنفيذ ثلاث عمليات شراء روتينية لأذونات الخزانة الأمريكية خلال الأيام المقبلة، في خطوة تندرج ضمن آلياته المعتادة لإدارة السيولة والحفاظ على استقرار أسواق التمويل قصيرة الأجل، بعيداً عن أي مؤشرات على تغيير في السياسة النقدية أو العودة إلى برامج التيسير الكمي.
رغم أن هذه العمليات قد تبدو للوهلة الأولى مجرد إجراءات فنية، فإنها تحظى بمتابعة دقيقة من المستثمرين والمتعاملين في أسواق المال، لأنها تعكس الطريقة التي يدير بها الفيدرالي مستويات الاحتياطيات داخل النظام المصرفي، ويضمن استمرار عمل أسواق النقد بسلاسة، خاصة في الفترات التي تشهد تدفقات كبيرة إلى أو من حسابات الخزانة الأمريكية.
ثلاث عمليات شراء خلال أسبوع
بحسب الجدول التشغيلي الدوري الصادر عن الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك نيابة عن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، سيُنفذ البنك ثلاث عمليات شراء لأذونات الخزانة هذا الأسبوع، تبدأ يوم الثلاثاء بقيمة 5.179 مليار دولار، قبل أن ينفذ عملية ثانية الخميس بـ 3.453 مليار دولار، ثم يعود الثلاثاء المقبل 11 أغسطس لشراء أذونات إضافية بـ 5.179 مليار دولار.
بذلك يصل إجمالي قيمة المشتريات المقررة إلى نحو 13.811 مليار دولار، وهي أموال ستنتقل إلى المؤسسات المالية مقابل الأوراق المالية التي يشتريها الاحتياطي الفيدرالي، بما يضيف سيولة جديدة إلى النظام المصرفي.
لماذا هذا الشراء؟
على خلاف الانطباع الذي قد يتبادر إلى الأذهان، فإن هذه المشتريات لا تعكس تحولاً في السياسة النقدية، ولا تمثل برنامجاً جديداً للتحفيز الاقتصادي. الاحتياطي الفيدرالي يستخدم هذه العمليات كأداة تشغيلية للحفاظ على مستوى وفير من الاحتياطيات داخل النظام المصرفي، بما يضمن استمرار استقرار أسواق التمويل قصيرة الأجل، والحيلولة دون حدوث نقص مفاجئ في السيولة قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الفائدة بين البنوك أو اضطرابات في سوق إعادة الشراء (الريبو).
وتتراجع الاحتياطيات المصرفية بصورة دورية نتيجة عدة عوامل، أبرزها المدفوعات الضريبية التي تنتقل من البنوك إلى حساب وزارة الخزانة لدى الاحتياطي الفيدرالي، إضافة إلى تسويات إصدارات الدين الحكومي والمدفوعات المرتبطة بها. ومن هنا تأتي عمليات شراء أذونات الخزانة لتعويض هذا الاستنزاف الطبيعي وضمان بقاء السيولة عند مستويات مريحة.
ليست تيسيراً كمياً
رغم أن النتيجة المباشرة لهذه العمليات تتمثل في ضخ أموال جديدة في النظام المالي، فإنها تختلف جذرياً عن برامج التيسير الكمي التي استخدمها الاحتياطي الفيدرالي عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم خلال جائحة كورونا.
ففي تلك البرامج كان الهدف يتمثل في خفض العوائد طويلة الأجل وتحفيز الاقتصاد عبر توسيع الميزانية العمومية للبنك المركزي بشكل كبير، من خلال شراء كميات ضخمة من سندات الخزانة والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.
أما المشتريات الحالية فإنها تقتصر على أذونات الخزانة قصيرة الأجل، وتهدف إلى إدارة الاحتياطيات والسيولة اليومية، ولا تحمل أي رسالة بشأن توجهات أسعار الفائدة أو دعم النشاط الاقتصادي.
لهذا السبب، يحرص مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي باستمرار على التأكيد أن مثل هذه العمليات ذات طبيعة تشغيلية بحتة، ولا ينبغي تفسيرها على أنها بداية دورة جديدة من التيسير النقدي.
أثر محدود لكنه مهم للأسواق
من الناحية العملية، توفر هذه العمليات قدراً إضافياً من السيولة للبنوك والمتعاملين الرئيسيين في سوق السندات، وهو ما قد يخفف الضغوط المؤقتة في أسواق التمويل ويعزز استقرار أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
كما يمكن أن تسهم في تحسين ظروف التداول داخل سوق سندات الخزانة الأمريكية، التي تعد أكبر سوق للسندات الحكومية في العالم، وتؤدي دوراً محورياً في تسعير مختلف الأصول المالية عالمياً.
إلا أن معظم المحللين يرون أن التأثير الاستثماري لهذه العمليات يبقى محدوداً وقصير الأجل، نظراً إلى أن الأسواق تكون قد استوعبتها مسبقاً باعتبارها جزءاً من الجدول التشغيلي المعتاد للاحتياطي الفيدرالي، كما أن قيمتها تظل صغيرة مقارنة بحجم سوق سندات الخزانة الأمريكية الذي تتجاوز قيمته عشرات التريليونات من الدولارات.
السيولة تحت المجهر
تكتسب إدارة السيولة أهمية خاصة في المرحلة الحالية، في ظل استمرار الاحتياطي الفيدرالي في مراقبة أوضاع أسواق التمويل بالتوازي مع سياسته النقدية، ولا سيما بعد سنوات شهدت تقلبات كبيرة في حجم الاحتياطيات المصرفية نتيجة برامج شراء الأصول السابقة، ثم سياسة تقليص الميزانية العمومية.
ورغم أن البنك المركزي الأمريكي واصل خلال الفترة الماضية تقليص حيازاته من السندات ضمن سياسة التشديد الكمي، فإنه لا يزال ينفذ عمليات شراء محددة لأذونات الخزانة عندما تستدعي احتياجات إدارة الاحتياطيات ذلك، في إطار فصل واضح بين أدوات السياسة النقدية وأدوات التشغيل اليومية.
يؤكد هذا النهج أن الفيدرالي يسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مواصلة تطبيع ميزانيته العمومية من جهة، والحفاظ على وفرة السيولة اللازمة لضمان كفاءة عمل النظام المالي من جهة أخرى.
ماذا يراقب المستثمرون؟
بالنسبة للمستثمرين، فإن أهمية هذه العمليات لا تكمن في قيمتها المالية فحسب، بل في الرسائل التي تحملها بشأن ظروف السيولة داخل النظام المصرفي الأمريكي.
فاستمرار تنفيذ هذه المشتريات وفق الجدول المعلن يعكس أن المركزي يرى أن إدارة الاحتياطيات تتطلب تدخلاً فنياً منتظماً، دون أن يعني ذلك وجود ضغوط استثنائية أو مخاوف بشأن الاستقرار المالي.
في المقابل، تبقى الأنظار مركزة بصورة أكبر على البيانات الاقتصادية المقبلة، ولا سيما مؤشرات التضخم وسوق العمل، باعتبارها العامل الحاسم في تحديد المسار المستقبلي لأسعار الفائدة الأمريكية، بينما تظل عمليات شراء أذونات الخزانة جزءاً من أدوات التشغيل اليومية الهادفة إلى إبقاء عجلة النظام المالي تعمل بسلاسة، بعيداً عن أي تغيير في توجه السياسة النقدية.















