بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير ميداني

“الفولاني” في قلب أزمة الساحل: من تراكم المظالم إلى استثمار الجماعات المتطرفة

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

في دلتا النيجر الداخلية، حيث قامت في القرن التاسع عشر إمارة ماسينا، تتقاطع اليوم خطوط أزمة معقدة: “شعب الفولاني”، من أكبر المجموعات الرعوية في العالم، يجد نفسه بين عنف جماعات مسلحة مرتبطة بالقاعدة تستثمر مظالمه، وبين حملات أمنية وميليشياوية تُلقي بظلال «الاشتباه الجماعي» عليه. صراعٌ متعدد الطبقات يجعل وسط مالي واحداً من أكثر مناطق الساحل هشاشة، مع ما يحمله من مخاطر تمدّد إقليمي.

يُقدَّر عدد شعب الفولاني اليوم بين 30 و40 مليون نسمة، يتوزعون على حزام عريض يمتد من السنغال وغينيا وموريتانيا حتى الكاميرون وتشاد وإفريقيا الوسطى، ويُعدّون من أكبر الجماعات الرعوية في العالم، حيث يعيش ملايين منهم على تربية الماشية والترحال الموسمي بحثاً عن الماء والكلأ.

في مالي وحدها، يُشكّل الفولاني ما بين 9 و16% من السكان (نحو 2.5–3.5 مليون نسمة)، ويتمركزون أساساً في دلتا النيجر الداخلية (ماسينا)، ومنطقة موبتي وسيغو، إضافة إلى جيوب مهمة في كايس ونيورو دو ساحل وغورما والمناطق الحدودية مع بوركينا فاسو وموريتانيا. هذا الانتشار وسط مناطق احتكاك تاريخي بين الرعاة والمزارعين، جعلهم في قلب خطوط التماس على الموارد والأراضي، وأحياناً في قلب النزاعات المسلحة.

تحتفظ الذاكرة الجماعية للفولاني في وسط مالي بحنين واضح إلى “إمبراطورية ماسينا” الإسلامية في القرن التاسع عشر، التي تُستدعى اليوم في خطاب قادة الجماعات الجهادية لتغذية سردية “المجد الضائع” و”استعادة حكم الشريعة” في قلب دلتا النيجر.

من أزمة 2012 إلى “كتائب ماسينا”

أدى انهيار شمال مالي في 2012 إلى فراغ أمني استغلته جماعات مسلحة مختلفة. ولم يكن انخراط بعض شباب الفولاني في تلك التنظيمات بالضرورة نتيجة تبنٍّ لمشروع جهادي، بل غالباً بدافع حماية القرى والقطعان من خصومات محلية أو ميليشيات منافسة، في ظل غياب ثقة بالدولة.

مثّل عام 2015 نقطة تحول مع ظهور «جبهة تحرير ماسينا» بقيادة أمادو كوفا، كجماعة مسلحة مرتبطة بتنظيم أنصار الدين. قدّمت نفسها بوصفها «حامية للرعاة»، مستثمرة المظالم المتراكمة، وملأت تدريجياً الفراغ السلطوي عبر محاكم موازية وحواجز مسلحة.

وفي مارس 2017، أعلن كوفا، إلى جانب إياد أغ غالي وقادة آخرين، تأسيس «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (JNIM) التابعة للقاعدة، لتصبح «كتائب ماسينا» إحدى أركان التحالف. هذا الاندماج نقل نشاطها من نطاق محلي إلى مشروع عابر للحدود يستفيد من شبكة تمويل ودعاية أوسع، ويعيد تأطير المظلومية الفولانية ضمن سردية جهادية عالمية.

ستة عقود من التهميش الممنهج

منذ الاستقلال عام 1960، تراكمت لدى الفولاني شعور عميق بالتهميش من جانب الدولة المركزية في باماكو، يمكن تتبّع ملامحه عبر المراحل السياسية المختلفة:

  • مرحلة موديبو كيتا (1960–1968)

فرضت السلطة الاشتراكية تسوية الرُّحّل بالقوة، وصودرت أعداد من الماشية، وتم تهميش نمط الحياة الرعوي لصالح مشاريع زراعية مروية في دلتا النيجر، استفادت منها بشكل خاص قبائل “البامبارا” المستقرة.

  • مرحلة موسى تراوري  (1968–1991)

ضرب الجفافان الكبيران (1973 و1984) قطعان الفولاني في العمق، من دون تعويضات تذكر، وترافق ذلك مع توسع ظاهرة “قطاع الطرق” في صفوف شباب رعاة فقراء فقدوا مصدر رزقهم.

  • مرحلة “الديمقراطية الشكلية” (1991–2012)

حافظت أنظمة ألفا عمر كوناري وأمادو توماني توري على هيمنة الجنوب البامباري على مفاصل الدولة، بينما ظل حضور الفولاني في البرلمان والإدارة المحلية ضعيفاً، وغابت برامج حقيقية للتنمية الرعوية أو إصلاح قوانين الأراضي لصالحهم.

  • مرحلة ما بعد تمرد 2012 (إبراهيم بوبكر كيتا)

في سياق الحرب على الإرهاب، جرى تسليح ميليشيات “الدفاع الذاتي” من الدوغون والبامبارا (مثل “دان نا أمباساغو” و”غاندا كوي”، التي اتُّهمت بارتكاب مجازر واسعة ضد القرى الفولانية، أبرزها مذبحة أوغوساغو في مارس 2019، حيث قُتل نحو 160 من الفولاني، ما مثّل نقطة تحوّل في شعورهم بأنهم مستهدفون جماعياً باعتبارهم “خزان الجهادية”.

  • مرحلة الحكم العسكري بزعامة أسيمي غويتا (منذ 2020)

مع الانقلابَين العسكريين وخروج القوات الفرنسية والأوروبية، اعتمدت السلطة على الجيش وشركائه الروس (مجموعة فاغنر سابقاً، ثم “فيلق إفريقيا”)، في عمليات اتُّهمت خلالها القوات المشتركة بارتكاب إعدامات ميدانية وعمليات اختفاء قسري بحق رجال من الفولاني، بذريعة الاشتباه في انتمائهم للجماعات الجهادية.

إلى جانب هذا المسار السياسي–الأمني، شكّلت “قوانين الأراضي” أحد الجذور البنيوية للأزمة؛ إذ منحت الأفضلية للمزارعين المستقرين، وصنّفت الرعاة في حالات كثيرة كمعتدين على أراضٍ لا “يملكونها” بالمعنى القانوني، رغم استخدامها تاريخياً كمراعٍ مشتركة. ومع تصاعد التصحر، وزحف الزراعة، ومشاريع السدود، تقلّصت المراعي، وارتفع منسوب الاحتكاك والعنف حول مصادر المياه.

في هذه البيئة الهشّة ظهرت “جبهة تحرير ماسينا” بداية كقوة محلية ذات خطاب مزدوج: الأول ديني–جهادي يقدّم نفسه بوصفه امتداداً لـ”إمبراطورية ماسينا” الإسلامية. والخطاب الثاني اجتماعي–إثني يَعِد الفولاني بحماية قطعانهم وقراهم من اعتداءات الميليشيات والمزارعين المسلحين وأعوان الدولة.

خلال المرحلة الأولى (2015–2016)، استهدفت الجبهة بشكل أساسي رموز الدولة المحلية: الدرك، ومسؤولي البلديات، وشيوخ القرى المتحالفين مع باماكو في مناطق موبتي ويوارو وتينينكو. وبفضل هذا الضغط المنهجي، نجحت في ملء الفراغ الأمني، وفرضت نفسها حكماً فعلياً في بعض المناطق، عبر محاكم شرعية وحواجز مسلحة على طرق الرعي.

في مارس 2017، ومع اندماجها في تحالف “نصرة الإسلام والمسلمين” المرتبط بالقاعدة، انتقلت الجبهة إلى مرحلة “التحالف الإقليمي”، مستفيدة من شبكة أوسع من التمويل والتسليح والدعاية، وربطت المظلومية الفولانية المحلية بسردية “الجهاد العالمي”.

من التمرد إلى المواجهة الإثنية

تزامن تصاعد عمليات “كتائب ماسينا” مع تشكّل ميليشيات “دفاع ذاتي” من الدوغون والبامبارا، بدعوى حماية القرى الزراعية من هجمات الجهاديين الفولاني. ومع غياب الدولة وضعف القضاء، تحوّلت دائرة الانتقام المتبادل إلى حرب أهلية عرقية مكتملة الأركان في وسط مالي:

في 2019 وحده، وثّقت منظمات حقوقية مقتل مئات المدنيين في سلسلة هجمات انتقامية متبادلة بين ميليشيات الدوغون والمسلحين الفولاني والجماعات الجهادية المتحالفة معهم.

تكررت المذابح في قرى أغلب سكانها من الفولاني، مع إفلات شبه كامل من العقاب لمنفّذيها، ما عزز قناعة لدى كثير من الرعاة بأن “العدالة الوحيدة الممكنة” هي تلك التي تحملها بنادق أمادو كوفا ورجاله.

في المقابل، ارتكبت الجماعات الجهادية المتحالفة مع «كتائب ماسينا» هجمات دامية ضد قرى الدوغون والبامبارا، وعمليات اغتيال لمشايخ متهمين بالتعاون مع الجيش أو رفض السماح بتجنيد شباب قراهم، لتصبح حياة المدنيين من الطرفين رهينة لدورة عنف لا تميّز بين مقاتل وراعٍ بسيط. 

الجيش و”فاغنر” و”فيلق أفريقيا”

مع انسحاب القوات الفرنسية وقوات الأمم المتحدة تدريجياً، اتجهت السلطة في باماكو إلى تعميق تعاونها العسكري مع روسيا، أولاً عبر مجموعة “فاغنر”، ثم عبر “فيلق أفريقيا” الذي ورث جزءاً من بنيتها الميدانية.

تقارير منظمات حقوقية وصحفية دولية تشير إلى أن:

– الجيش المالي وعناصر “فاغنر” نفّذوا عمليات واسعة في وسط مالي وشمالها، شملت إعدامات ميدانية جماعية في بلدة “مورا” عام 2022، قُتل فيها مئات المدنيين، غالبيتهم من الفولاني المشتبه بهم.

– تحقيقات صحفية حديثة وثّقت وجود مراكز احتجاز سرية تديرها “فاغنر” داخل قواعد عسكرية مالية، تعرّض فيها معتقلون – من بينهم تجار ورعاة من الفولاني – لتعذيب شديد واختفاء قسري، قبل أن يُعلن لاحقاً عن استبدال “فاغنر” بـ”فيلق أفريقيا” في منتصف 2025 من دون معالجة إرث الانتهاكات.

– جمعيات فلانية محلية وثّقت احتجاجات نادرة في قرى مثل ديافارابي، بعد مزاعم بأن الجيش أعدم رجالاً اعتقلهم من الأسواق، في وقت بات التعبير العلني عن الغضب مخاطرة في ظل الحكم العسكري. 

هذه الانتهاكات، التي تُقدَّم رسمياً بوصفها جزءاً من “الحرب على الإرهاب”، ترسّخ في المقابل شعوراً واسعاً لدى الفولاني بأنهم يتعرضون لعقاب جماعي، وتوفّر لـ”كتائب ماسينا” سردية جاهزة لتجنيد مزيد من الشباب الغاضب.

تهديد يتجاوز حدود مالي

لم يعد حضور “كتائب ماسينا” و”نصرة الإسلام والمسلمين” محصوراً في وسط مالي. فمع تراجع الضغط العسكري الدولي، توسعت عملياتهما نحو:

– مناطق الحدود مع بوركينا فاسو والنيجر.

– أقاليم قريبة من ساحل العاج وبنين وتوغو، في محاولة لفتح “جبهة خليج غينيا” عبر استخدام شبكات التهريب والروابط القبلية العابرة للحدود.

هذا الامتداد الإقليمي يجعل من “المسألة الفولانية” في مالي قضية أمنية تتجاوز حدودها، إذ إن امتداد الفولاني الديموغرافي من السنغال إلى السودان يعني أن أي اشتعال واسع على أساس إثني–ديني يمكن أن يجد صدى في دول أخرى تعاني بدورها هشاشة أمنية وسياسية.

ما الذي يمكن أن يوقف سقوط “دومينو الساحل”؟

يشير عدد من الباحثين المتخصصين في شؤون الساحل إلى أن جذور الأزمة ترتبط بثلاثة مستويات مترابطة:

  1. العدالة في ملكية الأرض والموارد:   

لا يمكن فصل صعود الجهادية الفولانية عن مسألة ملكية الأراضي والمراعي. إصلاح قوانين الأراضي بما يعترف بحقوق الرعاة التاريخية، وإرساء آليات محلية عادلة لتسوية النزاعات بين الرعاة والمزارعين، يعدّ شرطاً أولياً لتجفيف أحد أهم روافد التعبئة الجهادية.

  1. إنهاء سياسة العقاب الجماعي:

توثّق منظمات حقوقية منذ سنوات نمطاً من العمليات العسكرية التي تُعامِل القرى الفولانية ككتلة متهمة سلفاً، ما يدفع حتى المعتدلين منهم إلى التعاطف مع خطاب “الدفاع عن النفس” الذي يروّج له أمادو كوفا. وقف الإعدامات خارج القانون، ومحاسبة المتورطين من الجيش والميليشيات، يعدّان شرطاً لبناء الثقة مع هذه المجتمعات.

  1. إعادة بناء الدولة المحلية:

تراجع حضور الدولة في وسط مالي ترك فراغاً ملأته الجماعات الجهادية والمحاكم العرفية والميليشيات. إعادة بناء مؤسسات الدولة المحلية – بلديات، قضاء، خدمات أساسية – بطريقة تشاركية تراعي التوازن الإثني، يمكن أن يسحب البساط تدريجياً من تحت “السلطة الموازية” للجماعات المسلحة.

في دلتا النيجر اليوم، لا تزال قطعان الأبقار تمشي على أنقاض إمارة ماسينا القديمة، فيما تتداخل أصوات الأذان مع رسائل “راديو الجهاد” الذي يبث خطاب أمادو كوفا بلغات الفلفولدي والبامبارا. السؤال الذي يواجه باماكو، ومعها العواصم الإقليمية والدولية، ليس كيف تُهزَم “كتائب ماسينا” عسكرياً فحسب، بل كيف يمكن تفكيك منظومة المظالم التي جعلت من شعب رعوي شبه منسيّ، وقوداً لأحد أخطر تمردات العصر في الساحل.