بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

مقالات مشابهة

اضطهاد ديني (1-8)

العنف ضد المسيحيين في إفريقيا بين التطرف الديني وانفجار النزاعات المسلحة وانهيار أركان الدولة

بقلم: كمال كروري
بقلم: كمال كروري

لم تعد القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة مجرّد ساحة تنافسات سياسية أو صراعات إثنية محلية، بل تحوّلت إلى مسرح معقّد تتقاطع فيه النزاعات المسلحة مع التطرّف العنيف، وانهيار مؤسسات الدولة، وتآكل الحماية القانونية للمدنيين. في هذا السياق المضطرب، تجد مجتمعات دينية متعدّدة – من بينها المسيحية – نفسها في مرمى عنف متصاعد، يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعته ودوافعه وحدوده.

فهل نحن أمام اضطهاد ديني ممنهج يستهدف المسيحيين على وجه الخصوص؟ أم أن ما يجري يعكس انفجاراً أوسع في العنف السياسي والأمني، لا يميّز بين دين وآخر بقدر ما يستهدف الهشّ، والفقير، والمكشوف أمنياً؟

خريطة عنف مفتوحة

من نيجيريا وبوركينا فاسو في الساحل الغربي، مروراً بالصومال وإريتريا في القرن الإفريقي، وصولاً إلى السودان والكونغو الديمقراطية وموزمبيق، تسجّل مناطق واسعة من القارة هجمات متكرّرة تطال قرى، ودور عبادة، ومؤسسات تعليمية، وسكاناً مدنيين.

بحسب تقديرات متقاطعة لتقارير كنسية ومنظمات رصد مستقلة، شهد عام 2025 استهداف آلاف المواقع المرتبطة بالمجتمعات المسيحية، وسقوط آلاف الضحايا. غير أن هذه الأرقام، على خطورتها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإفريقي الأوسع، الذي يشهد أعلى معدلات العنف المسلح في العالم خلال العقد الأخير.

أرقام مثيرة للقلق

تقدّر منظمة “أبواب مفتوحة”، المتخصصة في أبحاث ودراسات المجتمعات المسيحية، أن قرابة 20% من مسيحيي إفريقيا، البالغ عددهم نحو 750 مليون شخص، يواجهون مستويات مرتفعة من الاضطهاد والتمييز بسبب معتقداتهم. لكن هذا التوصيف لا يحظى بإجماع كامل.

فوفق بيانات مشروع رصد النزاعات المسلحة (ACLED)، فإن الضحايا المسيحيين، رغم تزايد استهدافهم في بعض المناطق، لا يشكّلون سوى نسبة محدودة من إجمالي ضحايا العنف في القارة، الذي بلغ قرابة 150 ألف قتيل خلال عام واحد، في صراعات شملت مسلمين ومسيحيين وأقليات إثنية أخرى.

الدلالة هنا ليست تقليلاً من خطورة ما تتعرّض له المجتمعات المسيحية، بل تحذيراً من اختزال العنف الإفريقي في إطار ديني صرف، بما قد يحجب المحركات السياسية، والاقتصادية، والأمنية الأعمق.

الثقل الديمغرافي في بيئة هشة

يُشكّل المسيحيون اليوم نحو 38% من سكان إفريقيا، التي تضم أكبر تجمع مسيحي في العالم، مع نمو متسارع في دول إفريقيا جنوب الصحراء. هذا الثقل الديمغرافي، في ظل ضعف الدولة وتآكل سيادة القانون في عدد من البلدان، يجعل المجتمعات المسيحية – خصوصاً الريفية والفقيرة – عرضة للاستهداف، ليس فقط بسبب الهوية الدينية، بل بسبب غياب الحماية ووقوعها في مناطق نزاع مفتوحة.

إفريقيا في صدارة القتل الديني

تشير بيانات ضحايا العنف الموجّه ضد المسيحيين إلى نمط تصاعدي مقلق. فمن بين نحو 4800 شخص قُتلوا حول العالم بين ديسمبر 2024 ونهاية عام 2025 بسبب معتقداتهم المسيحية، كان أكثر من 4200 منهم في بلدان إفريقية، بينهم 10 مبشرين من أصل 17 شملتهم قائمة الضحايا، وفق تقرير جمعيات الإرساليات البابوية، التي تصنّف إفريقيا أخطر مكان في العالم لعمل المبشرين.

تقول إيزابيلا كارفاليو، الباحثة في إدارة الإعلام بالفاتيكان، إن الكهنة والرهبان والطلاب الإكليريكيين والعلمانيين يعملون في بيئات “تتسم بالعنف والفقر والظلم في إفريقيا”.

ووفقاً لقائمة المراقبة العالمية لعام 2026 الصادرة عن منظمة “أبواب مفتوحة”، تصدرت القارة السمراء مراكز متقدمة بين الدول التي تشهد أشد أشكال الاضطهاد والتمييز ضد المسيحيين، حيث جاءت الصومال في المرتبة الثانية عالمياً، تلتها السودان في المرتبة الرابعة، ثم إريتريا خامسة، ونيجيريا في المرتبة السابعة إلى جانب بوركينا فاسو وكينيا وسيراليون، و15 دولة إفريقية أخرى من أصل 50 دولة حول العالم.

التطرف الديني والقمع السياسي

تعزو منظمة “أبواب مفتوحة” تصاعد موجة العنف ضد المسيحيين في إفريقيا إلى تنامي الكراهية الدينية، واتساع نطاق هجمات الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تستغل الفوضى الأمنية وضعف الدولة. كما تشير إلى قمع تمارسه أنظمة دكتاتورية في بعض البلدان، حيث يأتي الاضطهاد الديني ضمن سياق أوسع من انتهاكات الحقوق، يتفاقم بفعل الرقابة الإعلامية، وضعف القضاء، والمراقبة الأمنية المشددة.

في حين يرتبط الاضطهاد أحياناً بعوامل مثل الفقر وندرة الغذاء والتنافس على الأراضي، فإن هذه العوامل كانت أشد وطأة على المجتمعات المسيحية الفقيرة، ما جعلها أهدافاً سهلة للجماعات المتطرفة.

يحذر القس صمويل أتاتو، أحد قيادات الكنيسة الأرثوذكسية في إفريقيا، من أن صعود تنظيم “داعش” وحركات جهادية مماثلة قد يؤدي إلى استئصال المسيحية من معاقلها التاريخية في عدد من الدول الإفريقية.

كما يؤكد التقرير السنوي الصادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية، ومقره واشنطن، أن الهجمات الإرهابية التي نفذتها جماعات متشددة مثل “داعش” و”بوكو حرام” و”حركة الشباب الصومالي” أدت إلى مقتل نحو 22 ألف شخص خلال العام الماضي، بزيادة تقارب 60% مقارنة بالسنوات السابقة، مع وصول العدد التراكمي للضحايا إلى نحو 155 ألف شخص خلال عقد واحد، خصوصاً في منطقة الساحل.

المسيحيون والمسلمون في دائرة النار

من الواضح أن الربط الحصري بين العمليات الإرهابية واستهداف المسيحيين في إفريقيا قد يحجب الصورة الكاملة، إذ يتزامن هذا العنف مع صراعات سياسية وإثنية دامية أودت أيضاً بحياة آلاف المسلمين.

وفقاً لجيل كاربونييه، نائب رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يوجد أكثر من 50 نزاعاً نشطاً في إفريقيا، تمثل نحو 40% من النزاعات المسلحة في العالم. وقال في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية إن عدد النزاعات المسلحة في القارة ارتفع بنسبة 45% منذ عام 2020، ما أدى إلى نزوح نحو 35 مليون شخص، أي ما يقارب نصف عدد النازحين عالمياً.

وفي هذا الشأن، يقرّ البروفيسور عبد المنعم همّت، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة، بتزايد الهجمات الموجهة ضد المسيحيين، لكنه يؤكد أن هذا التصاعد يأتي ضمن ارتفاع عام في معدلات العنف السياسي والإرهابي، الذي يستهدف المسيحيين والمسلمين على حد سواء. ويتفق معه إريك مورييه، أستاذ التاريخ الإفريقي في جامعة “كوينز بلفاست”، معتبراً أن توصيف ما يجري على أنه “حرب دينية” لا يعكس الواقع المعقّد للصراعات الإفريقية.