مصر

العلمانية العربية تودع أحد أقطابها.. مراد وهبة: “لا نهضة من دون عقل نقدي”

عثمان تزغارت
عثمان تزغارت

في هدوءٍ يشبه هدوء الأفكار الكبيرة حين تنسحب من ضجيج العالم، رحل الفيلسوف المصري مراد وهبة، تاركاً وراءه فراغاً لا يُقاس بعدد الكتب، بل بقلّة الأصوات التي تجرؤ على التفكير خارج القطيع. لم تكن وفاته خبراً عابراً في شريط الأخبار، بل علامة فاصلة تُذكّرنا بأن الفلسفة في عالمنا العربي ما تزال فعل مقاومة، وأن أصحابها يدفعون ثمن الوضوح باهظاً، حتى بعد الرحيل.

كان مراد وهبة واحداً من أولئك الذين اختاروا الوقوف في منطقة وعرة: منطقة العقل حين يشتبك مع المقدّس، ومنطقة الأسئلة حين تُزعج اليقين السائد. لم يكن فيلسوفاً يكتب ليُرضِي، بل ليُربك. العلمانية عنده لم تكن شعاراً سياسياً ولا ردّة فعل، بل بناءً معرفياً يرى في الفصل بين الدين والدولة شرطاً لتحرير الإيمان نفسه من الاستغلال، وتحرير العقل من الوصاية.

على امتداد مسيرته، ظلّ وهبة وفيّاً لفكرة واحدة كبرى: لا نهضة من دون عقل نقدي. لذلك لم يتردّد في إعادة قراءة التراث، لا بنية الهدم، بل بنية التفكيك الذي يسمح بإعادة البناء. وكان يدرك، بوعيٍ حاد، أن المعركة ليست مع الماضي، بل مع تحويله إلى سلطة تُصادر الحاضر. في هذا المعنى، كان مشروعه الفلسفي مشروع شجاعة قبل أن يكون مشروع معرفة.

رحيله يعيد إلى الواجهة سؤال المثقف في زمن الالتباس: ماذا يعني أن تكون علمانياً في مجتمع يخلط بين الإيمان والهوية، وبين النقد والكفر؟ لقد عاش مراد وهبة هذا السؤال يومياً، ودفع ثمنه عزلةً أحياناً، وتشويهًا أحياناً أخرى. لكنه، مثل كل الفلاسفة الحقيقيين، كان يعرف أن التفكير لا يُقاس بدرجة القبول، بل بقدرة الفكرة على البقاء.

في أسلوبٍ يُذكّر بالكتابة الثقافية التي تُنصت لما وراء الحدث، يمكن القول إن موت مراد وهبة ليس نهاية سيرة، بل هي امتحان لذاكرتنا الثقافية: هل نكتفي بتأبين العقول بعد غيابها، أم نملك الشجاعة لقراءة أفكارها وهي حيّة في نصوصها؟ هل نحتفي بالاختلاف كقيمة، أم نفضّل السلامة الصامتة؟

قد يرحل الفلاسفة أفراداً، لكن الأسئلة التي يتركونها لا تموت. ومراد وهبة، بما مثّله من عقلانية جذرية ووفاء للفكر، يتركنا أمام سؤال بسيط ومخيف في آن: من يجرؤ اليوم على أن يقول “لا” حين تصبح “نعم” هي الطريق الأسهل؟

هكذا يودّعنا الفيلسوف بصمت يضج بالأسئلة المعلّقة. وكأنّه، في رحيله، يكتب مقاله الأخير: مقالاً بلا عنوان، مفتوحًا على عقلٍ عربيّ ما يزال في حاجة ماسّة إلى من يوقظه من سباته الطويل.