في البدء كان “السّلم”. ليس مجرد غيابٍ للحرب، بل فلسفة حياة وميثاق تعايشٍ استنبطه العلامة الشيخ عبد الله بن بيه من رحم “وثيقة المدينة”، تلك الدستورية الأولى التي خطّها النبي محمد (ص) لتؤسس لفقه التعامل مع “الآخر”. لم يأتِ هذا الفقه من فراغ، بل هو امتدادٌ لجذورٍ ضاربة في عمق التشريع، أعاد ابن بيه نفض الغبار عنها في زمنٍ يعيش فيه العالم الإسلامي، والمنطقة العربية تحديداً، تحت وطأة إكراهات التعايش مع واقعٍ معقد، وعدوٍّ تتشابك معه خيوط السلم والحرب.
إنه ذات المنطق الفقهي الجريء الذي استندت إليه فتوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز الشهيرة حول الصلح، تلك الفتوى التي كسرت جليد الجمود السياسي بفسحة الفقه المرن. غير أن حديثنا اليوم ييمّم وجهه شطر “منطقة أخرى”، ليست بعيدة عن الوجع، بل هي قلبه النابض؛ أفريقيا، وتحديداً خاصرتها الرخوة في الساحل والصحراء.
تلك الأرض التي لم تكن يوماً أرضاً يباباً روحياً، بل كانت – ولا تزال في جوهرها – مسلمة، مالكية المذهب، تتنفس التصوف المعتدل، وتعيش على إيقاع ألواح “المحاظر” وأوراد “الزوايا”. تلك القلاع الروحية هي التي حفظت للمنطقة بيضتها، وصانت وئامها الاجتماعي لقرون، مُشكلةً سياجاً منيعاً ضد التفسخ، إلى أن نبتت في غفلة من الزمن “نابتة” دخيلة مسمومة.
عقائد مبتورة أحرقت الزرع وقوّضت السلم
تسللت إلينا عقائدُ مبتورة، وفتاوى انتُزعت من سياقاتها قسراً، لتُزرع في تربة الفقر والعوز والجهل. لم تكن نبتة أصيلة، بل طفيلياً تغلغل بين الشباب، فمزق النسيج المجتمعي، وفرّق الأسر، وأحال الأرض التي كانت تفيض سلاماً إلى حقول من الرماد. واليوم، وبعد أن “أُحرِق الحرث”، استفاق قادة هذه المجتمعات على حقيقةٍ مروعة: لقد خُطف أبناؤهم من الخلف بعقيدةٍ وافدة، استغلها منتفعون غرباء، واحتضنها جهلةٌ لا يدركون حقيقة السلعة الفاسدة التي يروجون لها.
في نواكشوط، ومن قلب هذا المشهد المتلاطم، رأيتُ بأم عيني مشهداً يختزل الحكاية. قادةٌ، وعلماء، وساسة من شتى أصقاع القارة السمراء، يصطفون للسلام على العلامة الشيخ عبد الله بن بيه. لم يأتوا إليه طمعاً في عصا سحرية، ولا طلباً لجيوش جرارة تنقذ عروشهم، بل جاؤوا ينشدونه “اليقين”. جاؤوا لأنهم أدركوا أنه المرجعية الأفريقية العليا، والأكثر موثوقية اليوم، القادر على ترميم ما تهشم في نفوس شعوبهم، وإعادة الاعتبار لعقيدتهم التي انتُهكت، وفقههم الذي شُوّه على يد دخلاء نفّروا الجيل الجديد من كل إرثه الحضاري.
من مجمّع الفقه إلى مؤتمر تعزيز السلم
لم يكن لجوء هؤلاء القادة لابن بيه وليد الصدفة، بل هو استحقاقٌ تاريخي لرجلٍ خبروه جيداً منذ أن كان صوتاً وازناً في “مجمع الفقه الإسلامي”. هناك، حيث كانت تُطرح قضايا الأمة الكبرى، برز الشيخ كأحد أبرز مهندسي “فقه الأقليات” وفقه “النوازل”. لم تكن فتاواه مجرد نصوص جامدة، بل دراسات عميقة أفضت إلى فهمٍ أرحب لقضايا التعايش وصناعة الوئام. فتاوى شكلت في حينها درعاً حصيناً حمى المجتمعات من أفكار التربص والنزاع.
اليوم، تعود قيادات أفريقيا، بعد رحلة التيه والتمزق، لتبحث عن ابن بيه، وعن موريتانيا، وعن كل صوتٍ عاقل يؤمن بأن السلام المهدّد يمكن استعادته. إنها المهمة التي تصدَّر لها العلامة الكبير منذ عقود، وتعززت اليوم بريادته لـ “المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم”، المنارة التي أضحت مرجعاً لمنطقة الساحل المشتعلة، التي تنشد – بإلحاح الغريق – استعادة سكينتها المسلوبة على يد هذا العالم الاستثنائي، فقيه السلام والتحولات.
* كاتب وباحث في شؤون منطقة الساحل والصحراء















