بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

مكافحة تمويل الإرهاب

العقوبات الأمريكية تكشف شبكة الظل بين “حماس” و”حسم” و”الإخوان”: المال والدعاية والواجهات المدنية في قلب المواجهة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تكشفُ التحركات الأمريكية الأخيرة عن انتقال المواجهة مع التنظيمات العابرة للحدود من مرحلة الاستهداف العسكري التقليدي إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على تفكيك البنية المالية واللوجستية والفكرية التي تمنح هذه التنظيمات القدرة على البقاء والتكيف. العقوبات التي أعلنتها وزارة الخزانة ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بحركة “حماس” و”حسم” المصرية و”الإخوان المسلمين” لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد إجراءات مالية معزولة، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى ضرب “الشبكات الوسيطة” التي تربط بين التمويل والدعاية والتجنيد والعمليات السرية.

تأتي هذه المقاربة في سياق إدراك متزايد داخل واشنطن بأن التنظيمات المسلحة لم تعد تعمل ضمن حدود جغرافية مغلقة، بل ضمن منظومات مرنة ومتداخلة تستفيد من البيئات القانونية المفتوحة، ومن شبكات الشتات، ومن المؤسسات المدنية والخيرية والإعلامية التي يمكن توظيفها كأغطية للحركة والتأثير. ومن هنا، فإن التركيز الأمريكي الحالي ينصبّ على تفكيك “الأوعية المتصلة” التي تسمح باستمرار تدفق المال والخبرات والشرعية السياسية بين هذه المكونات المتحالفة.

تفكيك شبكات الظل الدولية

تعكس العقوبات الأمريكية الأخيرة تحولاً واضحاً من سياسة استهداف القيادات الرمزية إلى سياسة استنزاف “العصب الحيوي” للتنظيمات. فملاحقة شخصيات ناشطة في أوروبا، سواء في إسبانيا أو بلجيكا أو غيرهما، يكشف عن قناعة استخباراتية بأن جزءاً مهماً من قوة “حماس” لم يعد مرتبطاً فقط بالبنية العسكرية داخل غزة، بل بقدرتها على إدارة شبكات خارجية تتولى التمويل والتعبئة السياسية وتوسيع النفوذ الإعلامي.

هذه الشبكات تعمل وفق نموذج شديد المرونة؛ إذ تستفيد من هامش الحريات في بعض الدول الأوروبية لتأسيس كيانات ذات طابع إنساني أو مجتمعي، بينما تؤدي عملياً أدواراً تتجاوز النشاط المدني التقليدي. وتكمن خطورة هذا النموذج في قدرته على الجمع بين الغطاء الشرعي والوظيفة العملياتية، بحيث يصبح من الصعب التمييز بين النشاط الإغاثي الحقيقي وبين الأنشطة التي يمكن أن تستخدم في نقل الأموال أو بناء شبكات النفوذ.

في هذا الإطار، لا تقتصر أهمية العقوبات الأمريكية على تجميد الأصول المالية، بل تمتد إلى استحداث ما يعرف بـ”مخاطر الامتثال”، حيث تصبح أي مؤسسة مصرفية أو تجارية تتعامل مع هذه الشخصيات أو الكيانات معرضة لخطر العقوبات الثانوية والعزل عن النظام المالي الدولي. وبهذا المعنى، تتحول العقوبات إلى أداة لعزل الشبكات المستهدفة تدريجاً عن البيئة الاقتصادية العالمية، حتى وإن لم تكن تمتلك أصولاً مالية ضخمة بصورة مباشرة.

تنسيق العمليات السرية

يتمثل الجانب الأكثر حساسية في المقاربة الأمريكية في الربط بين “حماس” وحركة “حسم” ضمن إطار عملياتي واحد. فواشنطن لا تنظر إلى هذه المجموعات باعتبارها كيانات منفصلة ذات أجندات محلية مختلفة، بل كأجزاء ضمن شبكة أوسع تتبادل الخبرات والكوادر والتكنولوجيا والقدرات اللوجستية.

وتبرز هنا أهمية الشخصيات التي تمتلك القدرة على التحرك بين أكثر من تنظيم وأكثر من ساحة جغرافية. فهذه الكوادر تؤدي دور “العقدة المركزية” داخل الشبكة، إذ تجمع بين الانتماء الأيديولوجي والخبرة الميدانية والقدرة على بناء قنوات اتصال سرية بين الفصائل المختلفة. كما تسهم في نقل المعرفة المتعلقة بالمتفجرات، وأساليب التخفي، وتقنيات الاتصالات، وآليات التمويل غير المباشر.

هذا النمط من التعاون يؤكد أن التنظيمات المسلحة في المنطقة باتت تعمل وفق مفهوم “الأممية التنظيمية”، حيث تتراجع أولوية الحدود الوطنية أمام فكرة وحدة المشروع السياسي والعقائدي. من هنا، فإن أي محاولة لعزل تنظيم بعينه تصبح محدودة الجدوى إذا لم تترافق مع تفكيك الشبكات الوسيطة التي تربطه ببقية الحلفاء الإقليميين والدوليين.

كما يعكس هذا التعاون تحولاً في طبيعة التهديدات الأمنية، إذ لم تعد العمليات تعتمد فقط على البنية التنظيمية الهرمية التقليدية، بل على شبكات صغيرة ومرنة يصعب اختراقها، قادرة على إعادة تشكيل نفسها بسرعة كلما تعرضت لضربات أمنية أو مالية.

واجهات التأثير الأيديولوجي

لا يقتصر التشابك بين هذه التنظيمات على التمويل والعمل المسلح، بل يمتد إلى المجال الديني والإعلامي والاجتماعي، حيث تلعب المؤسسات الدعوية والواجهات الفكرية دوراً محورياً في توفير الغطاء الرمزي والسياسي. وتدرك واشنطن أن المعركة ضد التنظيمات المسلحة لا تُحسم فقط عبر تجفيف مصادر المال، بل أيضاً عبر تقويض البيئة الفكرية التي تمنح هذه التنظيمات القدرة على التجنيد والاستقطاب.

ضمن هذا السياق، يبرز دور بعض الكيانات الدينية والإعلامية التي تعمل على إعادة إنتاج الخطاب التعبوي وتقديمه بصيغة أخلاقية أو إنسانية. فهذه المنصات لا تروج للعمل المسلح بشكل مباشر دائماً، لكنها تسهم في بناء سردية تعتبر المواجهة المسلحة جزءاً من “الشرعية الدفاعية”، بما يحدث بيئة نفسية واجتماعية أكثر تقبلاً لخطاب التنظيمات.

وتكمن خطورة هذه الأدوات في قدرتها على الوصول إلى جماهير واسعة داخل الشتات العربي والإسلامي، مستفيدة من المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة. وبذلك، تتحول “القوة الناعمة” إلى مكوّن مكمّل للبنية العملياتية، لا يقل أهمية عن التمويل أو التدريب العسكري.

مستقبل التجفيف المالي

تشير السياسة الأمريكية الحالية إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد تصعيداً أكبر في أدوات “التجفيف المالي الشامل”، بحيث لن تقتصر الرقابة على التحويلات البنكية المباشرة، بل ستطال سلاسل الإمداد، والمنظمات غير الحكومية، وحملات التبرعات الرقمية، وحتى الأنشطة الإنسانية العابرة للحدود.

هذا التوجه يفرض واقعاً جديداً على المؤسسات الإغاثية العاملة في مناطق النزاع، حيث ستصبح مطالبة بإثبات شفافية مصادر التمويل ومسارات الإنفاق بصورة أكثر صرامة من السابق. كما سيؤدي إلى توسيع نطاق التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية والشرق أوسطية، بهدف سد الثغرات القانونية التي تسمح للشبكات المرتبطة بالتنظيمات المسلحة بإعادة التموضع.

في المقابل، من المرجح أن تدفع هذه الضغوط التنظيمات المستهدفة إلى تطوير أدوات بديلة للتمويل، مثل العملات الرقمية، والشبكات غير الرسمية، والاعتماد على الوسطاء المحليين، ما يعني أن المواجهة ستتحول تدريجياً إلى صراع طويل الأمد بين أنظمة الرقابة المالية العالمية وبين شبكات الظل القادرة على التكيف السريع.

تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة عن دخول الصراع الإقليمي مرحلة جديدة عنوانها “تفكيك البنية العميقة” للتنظيمات العابرة للحدود. فالمواجهة لم تعد تتركز فقط على السلاح أو الميدان، بل باتت تدور حول السيطرة على مسارات المال والشرعية والخطاب والقدرة على الحركة داخل النظام الدولي. ومن هنا، فإن نجاح هذه الاستراتيجية سيعتمد على مدى قدرة القوى الغربية والإقليمية على بناء شبكة تنسيق قانوني واستخباراتي متماسكة تمنع إعادة إنتاج هذه الشبكات بأسماء وواجهات جديدة.