مثّل العفيف الأخضر واحداً من أكثر المفكرين التونسيين إثارة للجدل وانشقاقاً عن المسلّمات الفكرية والسياسية. خرج من التعليم “الزيتوني” إلى المحاماة، ومن النشاط الوطني واليسار الثوري إلى نقد التجارب الاشتراكية، قبل أن يكرّس جانباً كبيراً من كتاباته المتأخرة للدفاع عن العلمانية وإصلاح الفكر الديني.
توفي العفيف الأخضر في فرنسا في 26 يوليو 2013، بعد أن أقام في باريس منذ سنة 1979، منهياً رحلة طويلة تنقّل خلالها بين تونس والجزائر وأوروبا والمشرق العربي. وقد جعلته تلك التجارب شاهداً وفاعلاً داخل بعض أبرز التحولات الفكرية والسياسية التي عرفها العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.
رحلة بين العواصم والثورات
ولد الأخضر في مدينة مكثر، شمال غربي تونس، سنة 1934، وسط أسرة فلاحية محدودة الموارد. وبعد تعليمه القرآني، انتقل إلى العاصمة للدراسة في جامع الزيتونة، ثم التحق بمدرسة الحقوق وعمل بالمحاماة خلال السنوات الأولى التي أعقبت استقلال تونس.
انخرط في الحركة الوطنية، واقترب في مرحلة مبكرة من الرئيس الحبيب بورقيبة، قبل أن تبدأ خلافاته مع النظام الجديد. وبحسب شهادة أدلى بها شقيقه البشير، رأى الأخضر أن دولة الاستقلال بدأت تبتعد عن بعض الوعود التي حملتها الحركة الوطنية، فغادر البلاد مطلع الستينيات.
استقر بعد ذلك في الجزائر، حيث عمل مستشاراً للرئيس أحمد بن بلة. وبعد انقلاب هواري بومدين سنة 1965، غادر الجزائر وتنقل بين ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا وعدد من العواصم العربية، من بينها عمّان وبيروت، كما زار اليمن الجنوبي في ذروة التجارب الاشتراكية العربية.
وفي بيروت، اقترب من أوساط اليسار اللبناني والفلسطيني، لكنه عارض الحرب الأهلية ورفض المبررات التي قدمتها لها قوى يسارية في ذلك الوقت. ومع اتساع خلافاته مع التجارب السياسية والأيديولوجية التي عرفها، انتهى به المسار إلى باريس، التي أصبحت منفاه الأخير منذ سنة 1979.
الزيتوني المنشق
على الرغم من تكوينه الديني في جامع الزيتونة، اتجه العفيف الأخضر مبكراً إلى مساءلة الفكر الديني، ثم تبنى الماركسية وشارك في النقاشات الفكرية التي عرفها اليسار العربي.
ترجم “البيان الشيوعي” لكارل ماركس وفريدريك إنجلز، وصدرت ترجمته في بيروت سنة 1975، كما ألّف وقدم أعمالاً تناولت التنظيم الثوري والثورة الألمانية والموقف الماركسي من الدين. غير أن تجربته مع الأنظمة والتيارات اليسارية دفعته لاحقاً إلى نقد الماركسية العربية والتجارب الاشتراكية البيروقراطية.
انتقل بعد ذلك إلى الدفاع عن العلمانية، وإصلاح التعليم الديني، وإعادة قراءة التراث الإسلامي بمناهج التاريخ وعلم النفس وعلوم الأديان. ولم يكن هدفه المعلن إلغاء الإسلام، بل الدعوة إلى إعادة تفسيره بما يجعله، وفق تصوره، متوافقاً مع المواطنة وحقوق الإنسان والفصل بين الدولة والمؤسسة الدينية.
ومن أعماله التي صدرت في حياته أو أعيد نشرها: “الثورة الألمانية 1918-1919″، و”التنظيم الثوري الحديث”، وترجمته لـ”البيان الشيوعي”.
بعد وفاته، صدرت له عدة كتب، من أبرزها:
- “من نقد السماء إلى نقد الأرض: الشعبوية الأصولية من أين وإلى أين؟”، دار آفاق، 2014.
- “إصلاح الإسلام بدراسته وتدريسه بعلوم الأديان”، منشورات الجمل، 2014.
- “إصلاح العربية”، منشورات الجمل، 2014.
- “رسائل تونسية”، منشورات الجمل، 2014.
- “من محمد الإيمان إلى محمد التاريخ”، منشورات الجمل، 2014.
- “رسائل إلى القادة والرؤساء”، منشورات الجمل، 2015.
التحذير من المستقبل
في السنوات الأخيرة من حياته، تابع العفيف الأخضر التحولات التي أعقبت سقوط نظام زين العابدين بن علي في 14 يناير 2011، وكتب سلسلة من الرسائل المفتوحة إلى السياسيين والمثقفين والرأي العام التونسي. وحذّر فيها من تنامي التيارات السلفية، ومن ضعف الثقافة الديمقراطية، ومن احتمال انحراف الانتقال السياسي نحو العنف أو الاستبداد. جُمعت تلك المقالات بعد وفاته في كتاب “رسائل تونسية”.
بدت بعض تحذيراته شديدة التشاؤم، ولا سيما توقعاته المتعلقة بالحرب الأهلية وانهيار الدولة، وهي سيناريوهات لم تتحقق بصورتها القصوى. لكنها عكست قلقاً مبكراً من العنف السياسي، ومن هشاشة المؤسسات خلال السنوات الأولى للانتقال التونسي. وظل العفيف الأخضر، الذي وصفته بعض الكتابات بـ”سبينوزا العرب”، مفكراً يصعب وضعه داخل أيديولوجيا واحدة؛ فقد أمضى حياته ينتقل من يقين إلى آخر، ثم ينقلب عليه حين يرى أنه لم يعد يحتمل الاختبار.















