عكست نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية 2025، في دورتها السادسة، ملامح مرحلة سياسية جديدة اتسمت بإعادة توزيع داخل مكونات النظام السياسي الذي تأسس بعد عام 2003. لتبلغ نسبة المشاركة أكثر من 56%، وهي الأعلى منذ 2014، مقارنة بـ41% في انتخابات 2021، ما يعكس حيوية متجددة في المزاج الانتخابي العراقي.
كشفت النتائج الأولية عن تقدم واسع لائتلاف الإعمار والتنمية، بزعامة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي تصدّر المشهد مُتخطياً القوى الشيعية التقليدية، مثل تحالف الفتح، بزعامة هادي العامري، ودولة القانون، بزعامة نوري المالكي.
في المعسكر السني، توزعت الصدارة بين تحالف تقدم، بزعامة محمد الحلبوسي أولاً، وتحالف عزم، بزعامة مُثنى السامرّائي ثانياً، فيما تراجع تحالف السيادة، بقيادة خميس الخنجر. أما في الإقليم الكردي، فقد حافظ المشهد على توازنه النسبي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني أولاً، والاتحاد الوطني الكردستاني ثانياً، مع بروز تيار الموقف الوطني المعارض كقوة ثالثة، مقابل تراجع حراك الجيل الجديد المعارض.
اللافت، أن المرشح الكردي ريبوار طه، محافظ كركوك عن الاتحاد الوطني، تصدّر جميع المرشحين على المستوى الوطني، بنحو 96 ألف صوت، يليه السوداني بأكثر من 92 ألفاً.
اتفاق سياسي شامل
يرى مراقبون أن فوز السوداني يمثل تتويجاً لمسار بدأ منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2022، مانحاً إياه شرعية انتخابية قوية، لكنه في الوقت ذاته لا يملك أغلبية مطلقة، ما يجعله مضطراً إلى نسج تفاهمات دقيقة داخل البيت الشيعي، ومع القوى السنية والكردية، لتأمين تحالف حاكم متوازن.
يقول الباحث السياسي طارق سارممي: “إن تفوق السوداني يعني عملياً أنه سيقود الحكومة المقبلة، في وقت يسعى فيه الكرد إلى الحفاظ على موقعهم كشريك رئيسي في القرار الاتحادي، مع ضمان بقاء منصب رئاسة الجمهورية بيدهم في إطار اتفاق سياسي شامل يؤمّن الاستقرار بين بغداد وأربيل”.
بدوره، يرى الكاتب فاروق عبد الله أن فوز السوداني “يُعزز موقعه كزعيم وسطي مقبول داخلياً وخارجياً، لكنه لا يحسم المشهد تماماً”، مشيراً إلى أن العراق “مقبل على مفاوضات شاقة ستعيد إنتاج معادلة التوازنات لا الهيمنة”، مع إمكانية أن يتيح التفويض الشعبي الجديد له مساحة أوسع للإصلاح، إن نجح في تجنّب مساومات القوى التقليدية.
رسالة الشارع وتحولات المزاج السياسي
بحسب مراقبين، وجّه الناخب العراقي رسالة واضحة إلى النخبة السياسية بأن الإصلاح لا يزال خياراً من داخل النظام، لا من خارجه، وأن استمرار الفشل في الخدمات والحوكمة قد يفتح الباب لتبدلات أعمق مستقبلاً.
وتُبرز النتائج تحوّلاً تدريجياً داخل المكونات العراقية باتجاه البراغماتية والواقعية السياسية على حساب الخطابات الأيديولوجية أو الشعبوية، في ظل بيئة إقليمية متقلبة تشمل تطورات سوريا ولبنان وغزة.
وفي غياب كتلة أغلبية، من المتوقّع أن يتجه السوداني نحو تفاهم ثلاثي مع الكرد والسنة لتشكيل حكومة جديدة، في إطار توازن مُعقّد تحكمه حسابات المناصب السيادية والأمنية والموارد المالية.
تشير المخرجات العامة إلى أن العراق يدخل مرحلة “الاستقرار المشروط بالتوازن”، لا غالب مطلق ولا معارض مطلق، بل منظومة سياسية تحاول الحفاظ على تماسكها في بلد أنهكته الانقسامات، لكنه لم يفقد الأمل بعد في الإصلاح.















