بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

مقالات مشابهة

التلاعب بالعقول (3-4)

العالم الرقمي وتضخيم خطاب الكراهية بين الخوارزميات وغرف الصدى والإجماع الزائف الموجه

بقلم محمد الكرمي
بقلم محمد الكرمي

تنتقل المعركة، مع تشكّل القابلية النفسية للتطرف وبناء السردية التي تمنح الكراهية معناها الأخلاقي الزائف، إلى فضاء أشد خطورة: العالم الرقمي. هنا لا يبقى الخطاب المتطرف حبيس خلية مغلقة، أو منشور هامشي، أو غرفة دعوية محدودة؛ بل يتحول إلى مادة قابلة للتكرار والتضخيم والانتشار، مدفوعة بخوارزميات لا تفهم الأخلاق، لكنها تقيس التفاعل بدقة.

في هذا الفضاء، لا تحتاج الفكرة المتطرفة دائماً إلى أن تكون مقنعة كي تنتشر؛ يكفي أن تكون مثيرة للغضب، أو قادرة على استفزاز الخوف، أو مصممة لدفع المستخدمين إلى التعليق والمشاركة والاشتباك. ومع كل تفاعل جديد، تكتسب الرسالة حضوراً أكبر، لا لأنها أكثر صدقاً، بل لأنها أكثر قدرة على أسر الانتباه.

هكذا يصبح الفضاء الرقمي أكثر من مجرد وسيلة نقل؛ يتحول إلى بيئة تضخيم كاملة، تجعل الخطاب المتطرف يبدو أوسع انتشاراً مما هو عليه، وتمنحه مظهراً شعبياً قد لا يعكس حجمه الحقيقي. فحين تتلاقى السردية الغاضبة مع الخوارزمية الباحثة عن التفاعل، يمكن للكراهية أن ترتدي قناع الإجماع.

المنصات الرقمية

لم تعد المنصات الرقمية مجرّد وسيلة لنقل خطاب الكراهية. في كثير من الحالات، أصبحت جزءاً من طريقة عمله. فهي لا تنتج التطرف من العدم، ولا تخلق الكراهية وحدها، لكنها قد تمنح الأفكار المتشددة شروط الانتشار: السرعة، التكرار، التشبيك، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا تبحث عنه الجماعات المتطرفة بقدر ما تدفعه الخوارزميات نحوها.

قدمت بيئة الويب التفاعلي نموذجاً جديداً للتواصل. لم يعد المستخدم متلقياً فقط، بل صار منتجاً وناشراً وموزعاً ومعلّقاً. هذه المرونة، التي منحت أصواتاً كثيرة فرصة للظهور خارج بوابات الإعلام التقليدي، فتحت في الوقت نفسه مساحات واسعة أمام الحسابات المجهولة، والشبكات المنسقة، والجماعات التي تجيد استثمار الغضب بوصفه مادة قابلة للتدوير.

تُظهر استطلاعات أوروبية حديثة أن العنف الرقمي لم يعد ظاهرة هامشية؛ إذ يقول واحد من كل ثلاثة أوروبيين إنه تأثر شخصياً بالكراهية أو التحريض عبر الإنترنت، وترتفع النسبة بين الشباب إلى واحد من كل اثنين. كما يرى أربعة من كل خمسة أوروبيين أن المنصات لا تفعل ما يكفي لحمايتهم من العنف الرقمي.

هذه الأرقام لا تعني أن كل خطاب حاد هو تطرف، ولا أن كل منصة تتحمل وحدها مسؤولية الكراهية. لكنها تكشف أن المجال الرقمي بات بيئة شديدة الحساسية؛ قادرة على تضخيم الانفعال، وتطبيع العدوان اللفظي، وتحويل الهوامش المتشددة إلى مشاهد يومية عابرة على شاشة الهاتف.

اقتصاد الانتباه: الغضب بوصفه وقوداً

تعمل منصات التواصل داخل ما يسمى “اقتصاد الانتباه”. كل ثانية يقضيها المستخدم على المنصة لها قيمة؛ وكل تعليق، وإعادة نشر، وإعجاب، ومشاهدة، تتحول إلى إشارة يمكن قياسها وتحويلها إلى ربح إعلاني أو نفوذ رقمي. لذلك لا تكافئ الخوارزميات المحتوى الأكثر دقة بالضرورة، بل المحتوى الأكثر قدرة على إبقاء المستخدم داخل الدائرة.

هنا تبدأ المشكلة. فالمحتوى الهادئ يشرح، أما المحتوى الغاضب فيدفع إلى الرد. المعلومة الدقيقة تحتاج إلى وقت، أما الاتهام الحاد فيشعل التفاعل فوراً. كلما أثار المنشور خوفاً أو غضباً أو شعوراً بالتهديد، زادت احتمالات التعليق والمشاركة والاشتباك. وفي منطق الخوارزميات، لا يهم دائماً إن كان التفاعل تأييداً أو رفضاً؛ المهم أنه تفاعل.

تشير أبحاث حديثة إلى أن ترتيب المحتوى وفق مؤشرات التفاعل يمكن أن يضخم المعلومات المضللة والاستقطاب، لأن المستخدمين الأكثر تطرفاً أو حدة يميلون أحياناً إلى التفاعل بمعدلات أعلى من المستخدمين المعتدلين. وهذا لا يعني أن الخوارزمية “تختار الكراهية” أخلاقياً، بل يعني أنها قد تكافئ السلوك الذي يشبه الكراهية في نتائجه: إثارة، اشتباك، واستقطاب.

ومن هنا تأتي المفارقة. حين يرد المستخدمون على خطاب متطرف بهدف تفنيده أو فضحه، قد يمنحونه أحياناً ما يحتاج إليه كي ينتشر: مزيداً من التعليقات، ومزيداً من المشاركة، ومزيداً من الإشارات التي تُقرأ آلياً على أنها دليل أهمية. بهذا المعنى، يمكن للغضب المضاد أن يتحول، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى جزء من دورة. 

حين يرى الفرد ما يؤكد خوفه

في الفضاء الرقمي، لا يتلقى المستخدم العالم كما هو، بل كما ترتبه له المنصة. ما يظهر في الخلاصة ليس انعكاساً محايداً للواقع، بل نتيجة سلسلة من الاختيارات الخوارزمية: ما الذي شاهده سابقاً؟ ما الذي تفاعل معه؟ من يشبهه؟ أي محتوى أبقاه وقتاً أطول؟ وأي منشور دفعه إلى الغضب أو الفضول أو الخوف؟

هكذا تتشكل غرف الصدى. لا تُغلق الباب تماماً على الآراء المخالفة، لكنها تقلل فرص الاحتكاك الحقيقي بها، أو تقدمها في صورة مشوهة وعدائية. يرى المستخدم خصومه من خلال أسوأ نماذجهم، ويرى جماعته من خلال أفضل سردياتها، فيتعزز الانقسام بين “نحن” و”هم”، وتضعف القدرة على تخيل الآخر خارج صورة العدو.

مع ذلك، يجب التعامل مع هذه النقطة بحذر. فالأبحاث لا تقول إن الخوارزميات تفسر وحدها كل مظاهر الاستقطاب، ولا إن تغيير ترتيب الخلاصة الرقمية يكفي دائماً لتغيير قناعات المستخدمين. بعض التجارب الكبرى أظهرت أن الخلاصات قد تزيد التعرض للمحتوى الموافق سياسياً، لكنها لم تجد دائماً أثراً مباشراً وبسيطاً على خفض الاستقطاب بمجرد تعديل الخوارزمية.

لكن هذا لا يلغي الخطر. التأثير الرقمي ليس ضغطة زر واحدة، بل تراكم طويل. ومع الوقت، يصبح المستخدم محاطاً بنمط متكرر من اللغة والصور والاتهامات والتفسيرات. لا يرى العالم فحسب؛ بل يتعلم كيف يفسره، ومن يلومه، ومن يخافه، ومن يكرهه.

الإجماع الزائف: صناعة الجمهور الوهمي 

لا تكتفي الجماعات المتطرفة أو الشبكات المتلاعبة بنشر رسائلها. إنها تعمل أيضاً على تصنيع الانطباع بأن هذه الرسائل واسعة الانتشار، وأنها تمثل صوتاً شعبياً عريضاً. هنا يظهر ما يعرف بـ”السلوك الزائف المنسق”، أو حملات الحسابات الوهمية والمنسقة التي تتحرك معاً لتحقيق هدف استراتيجي: التلاعب بالنقاش العام.

تعرّف “ميتا” هذا النمط بوصفه جهوداً منسقة للتلاعب بالنقاش العام من أجل هدف استراتيجي، تكون الحسابات المزيفة جزءاً مركزياً من العملية. وتؤكد الشركة أنها تركز في هذا النوع من الانتهاكات على السلوك نفسه، لا على مضمون المنشورات فقط.

في الممارسة، يظهر ذلك عبر حسابات كثيرة تنشر الرسالة نفسها بصيغ متقاربة، وتعيد تدوير الوسوم نفسها، وتدفع سردية محددة إلى قوائم التداول. الهدف ليس الإقناع وحده، بل خلق وهم الكثرة. يرى المستخدم الوسم يتكرر، والجملة تتردد، والغضب يتصاعد، فيظن أن موقفاً متطرفاً ما يمثل الأغلبية، بينما قد يكون في الحقيقة نتاج شبكة مصطنعة أو حملة منسقة.

هذه هي خطورة “الإجماع الزائف”. إنه لا يغير المعلومة فقط، بل يغير إحساس الفرد بموقعه داخل المجتمع. من يظن أن الجميع غاضبون مثله يصبح أكثر استعداداً للتصعيد. ومن يظن أن الرأي المتطرف صار طبيعياً قد يتردد أقل في تبنيه. ومن يرى الاعتدال أقلية صامتة قد ينسحب، تاركاً المساحة للأصوات الأعلى والأكثر تنظيماً.

الذكاء الاصطناعي بين الكشف والمراوغة 

أمام هذا الكم الهائل من المحتوى، لم يعد الرصد البشري وحده كافياً. هنا تدخل تقنيات معالجة اللغات الطبيعية، أو NLP، بوصفها خط دفاع تكنولوجياً مهماً. هذه التقنيات تحاول تحويل النصوص غير المنظمة إلى بيانات قابلة للفهم: كلمات مفتاحية، سياقات دلالية، أنماط خطاب، مؤشرات كراهية، ونبرة عدائية أو تحريضية.

تطورت أدوات الكشف كثيراً مع نماذج التعلم العميق وتضمين الكلمات، لأنها لم تعد تكتفي بمطابقة الكلمات المحظورة، بل تحاول فهم العلاقات السياقية بين المفردات. وتشير أبحاث حديثة إلى أن كشف خطاب الكراهية يظل مشكلة متعددة الأبعاد، تتأثر باللغة والثقافة والسياق، وأن الحاجة ما زالت كبيرة إلى أدوات متعددة اللغات لا تنحاز إلى الإنجليزية وحدها.

لكن المتطرفين يتعلمون بدورهم. كلما تطورت أدوات الكشف، تطورت أساليب المراوغة: أخطاء إملائية متعمدة، رموز داخلية، سخرية، صور بدلاً من كلمات، اقتباسات ملتبسة، أو تسميات ملطفة تخفي المعنى الحقيقي. وهكذا تصبح المواجهة سباقاً دائماً بين أنظمة الرصد وشبكات قادرة على ابتكار لغة جديدة كلما ضاقت عليها اللغة القديمة.

ولا يقتصر التحدي على الكشف التقني. فالخطر الأكبر أن تختزل المنصات المسألة في الحذف الآلي وحده. بعض المحتوى واضح في تحريضه، لكن بعضه الآخر يعمل عبر التلميح، أو التراكم، أو السياق، أو الاستهداف المنظم لجماعة بعينها. لذلك تحتاج المواجهة إلى مزيج من التقنية، والخبرة اللغوية، والمعرفة الثقافية، والشفافية في قواعد الإشراف.

من التضخيم إلى المناعة الرقمية

تكشف الحلقة الرقمية في مسار التطرف أن المشكلة لا تكمن في وجود خطاب كراهية فقط، بل في البنية التي تمنحه سرعة وانتشاراً ومظهراً شعبياً. فالخوارزمية قد تضخم ما يثير، والحسابات المنسقة قد تصنع وهماً بالكثرة، وغرف الصدى قد تحول الخوف إلى يقين، والذكاء الاصطناعي قد يطارد خطاباً يتغير كل يوم.

لذلك، لا تبدأ المواجهة من حظر المحتوى فقط، ولا تنتهي عند تطوير نماذج كشف أكثر دقة. إنها تبدأ من فهم البنية كاملة: من يضخ الرسالة؟ كيف تنتشر؟ من يضخمها؟ ما الذي تكافئه المنصة؟ وكيف يتحول المستخدم العادي، بتفاعله الغاضب أحياناً، إلى جزء من آلة انتشار لم يخترها؟

في العصر الرقمي، لا يحتاج التطرف دائماً إلى أن يكون أغلبية كي يبدو كذلك. يكفي أن يمتلك شبكة، وسردية، وخوارزمية تكافئ الانفعال. ومن هنا تصبح المناعة الرقمية شرطاً أساسياً للمناعة الفكرية: أن يعرف المستخدم أن ما يراه ليس كل الواقع، وأن الضجيج ليس دليلاً على الحقيقة، وأن الإجماع الذي تصنعه الشاشة قد يكون، في لحظات كثيرة، وهماً صُمم بعناية.