بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

الطريق إلى طهران يمرّ عبر بيروت.. واشنطن تلاحق ذراع الحرس الثوري وتقطع شرايين “حزب الله” المالية

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تعيد واشنطن رسم حدود المواجهة مع “حزب الله”، لكن التطور الأهم هذه المرة لا يتعلق بعقوبة مالية جديدة أو بإضافة اسم إلى لائحة الإرهاب، بل بإعادة تصنيف تحمل رسالة سياسية وقانونية مختلفة: “حزب الله”، وفق الصياغة الأمريكية الجديدة، يعمل لخدمة النظام الإيراني وتحت قيادة “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري.

لا تأتي الخطوة بمعزل عن سياقها؛ فهي تتزامن مع إعلان أمريكي عن نية فرض “أقسى عقوبات في التاريخ” على إيران، في اليوم الذي دخلت فيه الحرب الأمريكية-الإيرانية شهرها السادس، ما يعكس انتقال واشنطن إلى تضييق الخناق على طهران وأذرعها الإقليمية في آن واحد.

إعادة تصنيف بصياغة أدق

أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، إعادة تصنيف “حزب الله” على أساس أنه مملوك أو خاضع لسيطرة أو موجَّه من قِبل “فيلق القدس”، استناداً إلى دوره في تنسيق هجماته والتأثير في قراراته السياسية.

ولم يكن ذلك التصنيف الأول للحزب؛ فقد أدرجته وزارة الخارجية الأمريكية منظمة إرهابية أجنبية في وقت سابق، أما “فيلق القدس” نفسه، فصنفته الخزانة الأمريكية (SDGT) في أكتوبر/تشرين الأول 2007، ثم أضافته الخارجية إلى قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية في أبريل/نيسان 2019.

الجديد إذن ليس التصنيف بحدّ ذاته، بل الأساس القانوني الذي تستخدمه واشنطن الآن لربط الحزب مباشرة بسلسلة القيادة الإيرانية.

نهاية المنطقة الرمادية

تتجاوز أهمية القرار مسألة العقوبات التقليدية، فالولايات المتحدة تقول عملياً إن التعامل مع “حزب الله” لم يعد منفصلاً عن سياستها تجاه إيران وأجهزتها الخارجية. وهذا لا يعني أن واشنطن صنفت الحزب قانونياً “لواءً” في الحرس الثوري، وهي عبارة تصلح كتوصيف تحليلي لا كنص قانوني. لكن الإشارة الصريحة إلى خضوعه لتوجيه “فيلق القدس” تنقل العلاقة من مفهوم “وكيل مدعوم من إيران” إلى توصيف أكثر مباشرة لطبيعة الارتباط بين الطرفين.

يمنح ذلك واشنطن أساساً أوسع لملاحقة الشبكات والأفراد والشركات التي تشكل الجسر بين إيران والحزب، بدلاً من الاكتفاء باستهداف قياداته ومؤسساته داخل لبنان.

المال في قلب المعركة

لم يأتِ إعادة التصنيف منفرداً؛ فقد فرضت الخزانة في اليوم نفسه عقوبات على عشرة أشخاص اتهمتهم بإدارة شبكة تهريب أموال نقدية (الكاش) تنقل الأموال إلى “حزب الله” عبر رحلات جوية تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بمبالغ وصفتها الخزانة بأنها قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات.

وحددت الخزانة رجل الأعمال التركي يونس ألبر يلماز باعتباره مدير الشبكة، متهمة إياه باستغلال مكاتب صرافة تركية كواجهات، وتوفير شركات وهمية وحسابات مصرفية لتحويل أموال مرتبطة بفيلق القدس. ومن بين المرتبطين به الساعيان خليل إبراهيم كاجماز وأوندر ديدة، إضافة إلى واصفي أكيوز الذي نسّق لوجستيات الشبكة وشارك بنفسه كساعٍ، وسعاة آخرون هم محمد أكيوز ومحمد أجور وفياض قره صالح ومسعود موسافر وغولاي كايا ساوجي وإمراه أياز، اتهموا جميعاً بنقل أموال مخصصة لـ”حزب الله” على متن رحلات تجارية إلى بيروت.

وأشارت الخزانة إلى أن هذه الشبكة كانت مرتبطة سابقاً بالمسؤول المالي الراحل في فيلق القدس بهنام شهرياري، الذي قُتل في غارة إسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوماً في 2025. هنا تظهر طبيعة المعركة الجديدة بوضوح: لا تستهدف واشنطن السلاح وحده، بل البنية التي تمكّن الحزب من تمويل مؤسساته وإعادة إنتاج شبكاته الاجتماعية والسياسية، فكل صرافة، وكل شركة واجهة، وكل حساب مصرفي، وكل وسيط قادر على نقل الأموال من إيران إلى لبنان يتحول إلى نقطة يمكن استهدافها بالعقوبات.

كانت واشنطن قد وسعت خلال الأشهر السابقة هذه السياسة لتطال شبكات تجارية ومالية مرتبطة بالحزب في لبنان وسوريا والعراق وعُمان، إضافة إلى شخصيات لبنانية اتهمتها بمساعدته أو عرقلة مسار نزع سلاحه، في إطار توسيع تدريجي لدائرة العقوبات.

بيروت داخل دائرة الضغط

تحمل الخطوة الأمريكية أيضاً رسالة إلى الدولة اللبنانية، فواشنطن لا تريد أن يبقى “حزب الله” حالة منفصلة عن مؤسسات الدولة يستطيع من خلالها تأمين الغطاء السياسي أو الحركة المالية أو إعادة بناء قدراته. ولذلك اتسع نطاق العقوبات خلال الأشهر السابقة ليشمل، مسؤولين لبنانيين وشبكات تساعد الحزب على الحفاظ على نفوذه داخل النظام اللبناني وتعرقل مسار نزع سلاحه.

المعادلة هذه التي تفرضها واشنطن أكثر صرامة من السابق: من يسهل التمويل أو يوفر الغطاء للحزب يمكن أن يتحول هو نفسه إلى هدف للعقوبات. وهذا يضع القوى اللبنانية أمام واقع جديد، خصوصاً في ظل مطالبة واشنطن بأن تكون الدولة اللبنانية صاحبة القرار الحصري في السلاح والأمن.

إيران تحت المجهر

يأتي القرار في لحظة تصعيد أمريكي واسع ضد إيران، وليس في سياق منفصل عنها. فمنذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2026 بضربات أمريكية-إسرائيلية على إيران، ورد إيراني بصواريخ ومسيّرات استهدفت قواعد أميركية وحلفاء في المنطقة، تحولت المواجهة تدريجاً من مسار عسكري إلى حرب اقتصادية شاملة. وتقول واشنطن إن الحصار البحري على السواحل الإيرانية كلّف طهران نحو 4.8 مليار دولار من عائدات النفط حتى الآن.

في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه إعادة تصنيف “حزب الله”، حذر الرئيس دونالد ترامب الدول التي تقدم لإيران “أي شكل من أشكال شريان الحياة” من عواقب اقتصادية، واصفاً الخطوة المرتقبة بأنها ستكون بمثابة “يوم دي-داي اقتصادي”.

الخنق بلا ضجيج

لا تستطيع العقوبات وحدها نزع سلاح “حزب الله” أو إنهاء نفوذه، لكنها تستطيع جعل إعادة بناء قوته أكثر كلفة وتعقيداً. وهنا تكمن أهمية إعادة التصنيف. واشنطن لا تبدأ مع “حزب الله” من الصفر؛ فهي تصنفه إرهابياً منذ عقود. لكنها تحاول الآن تضييق المسافة بينه وبين إيران في أدواتها القانونية والمالية، وتحويل العلاقة بينهما من قضية سياسية قابلة للتأويل إلى أساس مباشر للملاحقة.

إنها حرب مختلفة عن الحرب العسكرية. لا تبدأ بصاروخ ولا تنتهي بوقف إطلاق النار، بل تتقدم عبر البنوك والصرافة والشركات والحسابات والوسطاء. وبينما تعمل واشنطن على فرض ضغط اقتصادي غير مسبوق على طهران، يبدو أن “حزب الله” لم يعد بالنسبة إليها مجرّد حليف إيراني في لبنان، بل إحدى القنوات التي يجب إغلاقها إذا أرادت خنق النفوذ الإيراني من مصدره إلى أطرافه.

هكذا يبدأ “الخنق الصامت”: من المال أولاً، ثم الشبكات، وصولاً إلى تقليص قدرة طهران على استخدام بيروت كامتداد لنفوذها الإقليمي.