الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

مقالات مشابهة

رموز ثقافية

الطابع البريدي.. ورقة صغيرة تحفظ الذاكرة الثقافية للجزائر باستعادة رموز السينما والأدب والفن

الجزائر - فتيحة بوروينة
الجزائر - فتيحة بوروينة

قد لا يتجاوز الطابع البريدي بضعة سنتيمترات مربعة من الورق، لكنه كثيراً ما يحمل بين تفاصيله تاريخ أمة وذاكرتها. فليست الأرشيفات والكتب والمتاحف وحدها من تحفظ الرموز وتخلّد أصحابها، بل تؤدي الطوابع البريدية أيضاً دوراً في توثيق الشخصيات والأحداث التي شكّلت الوجدان الوطني.

من هذا المنطلق، جاءت مبادرة “بريد الجزائر” لإصدار مجموعة طوابع تكرّم نخبة من الفنانين ورموز السينما، بمناسبة اليوم الوطني للفنان، محوّلة الطابع البريدي من أداة مراسلة إلى حامل للذاكرة ووسيط للاعتراف الرمزي.

حين توضع صورة مخرج بحجم محمد لخضر حامينة أو فنان مثل محيي الدين باشطارزي أو روائي مثل كاتب ياسين على طابع بريدي، فإنها تمنحه شكلاً من أشكال الخلود الرمزي، وتحوّل الصورة إلى جزء من الذاكرة البصرية الرسمية للدولة. الطابع هنا يشبه “نصباً تذكارياً” صغيراً ينتقل بين الأيدي ويعبر الحدود ويحمل معه قصة صاحبه. 

وعندما يخصص بريد الجزائر أيضاً، سلسلة كاملة للمسرحيين (مبادرة سابقة) أو التشكيليين أو الأدباء، فإنه يقول بصورة غير مباشرة إن بناء الأمة لا يتم فقط بالسلاح والسياسة، بل أيضاً بالكلمة والصورة والمسرح والسينما. لعل المثير للاهتمام اليوم، أن جزءاً كبيراً من الطوابع الجزائرية منذ الاستقلال ارتبط بالثورة التحريرية ومحطاتها الكبرى، وهي ذاكرة مشروعة ومؤسسة للهوية الوطنية.

نلاحظ اليوم اتساع دائرة الذاكرة لتشمل الفن والسينما والمسرح والأدب والفنون المطبخية التقليدية العريقة والآثار والمعالم التاريخية، وهذا التحول مهم لأنه يعكس انتقالاً من الذاكرة السياسية الصرفة إلى ذاكرة ثقافية أكثر تنوعاً، تعترف بأن الهوية الوطنية لا يصنعها التاريخ العسكري وحده، بل ينجزها أيضاً الفنانون والكتاب والمسرحيون والسينمائيون الذين يصنعون على طريقتهم الوعي ويشكلون المخيال الجماعي.

حارس الذاكرة

من المهم التذكير بأن “بريد الجزائر” يُعدّ مؤسسة عريقة رافقت الجزائريين منذ عقود، وربما لا يلتفت كثيرون إلى أنها تمتلك واحداً من أغنى الأرشيفات البصرية للدولة. هنا تكمن إحدى أكثر الزوايا إثارة للاهتمام. فالطوابع التي تصدرها عبر السنوات تشكل في مجموعها سردية كاملة عن الجزائر: شهداؤها، ثورتها، مدنها، معالمها، أدبها، فنانوها، وأحداثها الكبرى. وبهذا المعنى يصبح “بريد الجزائر” مؤسسة ذاكرة بامتياز، حتى وإن لم يكن ذلك جزءاً معلناً من مهامه الأساسية، بمعنى مهامه الخدماتية اليومية المعتادة. 

حين يتم اختيار أسماء سينمائية مثل محمد لخضر حامينة، فإن الأمر يتجاوز تكريم شخص بعينه، إنه اعتراف بمكانة السينما نفسها في تشكيل الوجدان الوطني. فخلف صورة المخرج يقف تاريخ كامل من الأفلام التي روت الثورة والقرية الجزائرية والتحولات، إنه اعتراف صريح بالدور الذي لعبه الفن السابع في بناء السردية الوطنية الحديثة، واعتراف ضمني بأن السينما ليست مجرد صناعة ترفيهية، بل إحدى أكثر الأدوات قدرة على حفظ الذاكرة الجماعية ونقلها بين الأجيال. وقد استطاعت السينما الجزائرية حقاً، منذ الاستقلال، أن توثق الثورة، وأن ترصد التحولات الاجتماعية، وأن تقدم للعالم صورة عن الجزائر وقضاياها وتطلعاتها.

تعريف الأجيال الجديدة برموزها

في زمن المنصات الرقمية والذاكرة السريعة، قد يجهل كثير من الشباب أسماء صنعت جزءاً من تاريخ الثقافة الجزائرية. وعندما يظهر اسم مثل باشطارزي أو كاتب ياسين أو لخضر حامينة على طابع بريدي، فإن ذلك يثير الفضول والسؤال: من يكون هذا الشخص؟ وماذا قدم للجزائر؟ ومن هنا يتحول الطابع إلى وسيلة تربوية وثقافية غير مباشرة. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا السياق بالذات، هو من يختار رموز الذاكرة؟ ومن الذي يستحق أن يكون على الطابع، ومن يبقى خارج الصورة؟ على اعتبار أن كل عملية تخليد هي أيضاً عملية اختيار. لا يجب النظر إلى هذا السؤال على أنه ينتقص من قيمة المبادرة، بل يجعلها مدخلاً للنقاش حول سياسات الذاكرة الثقافية في الجزائر.

ضد النسيان

أجمل ما في هذه المبادرة أنها تذكّر بأن الذاكرة لا تحتاج دائماً إلى نصب ضخم أو قاعة متحف أو كتاب ثقيل. أحياناً، يكفي طابع بريدي صغير ليحمل سيرة فنان، وملامح فيلم، وأثر جيل كامل من المبدعين.

وبينما تتسارع الذاكرة الرقمية وتضعف قدرة الأجيال على التوقف أمام الرموز، يبدو أن بريد الجزائر يواصل، بطريقته الهادئة، أداء مهمة ثقافية ذات قيمة: حماية جزء من الذاكرة الوطنية من التلاشي، وتحويل رموزها إلى علامات صغيرة تعبر الحياة اليومية. فالطابع هنا ليس ورقة للزينة، بل رسالة مؤجلة تقول إن الأمم لا تحفظ تاريخها بما تقوله عن نفسها فقط، بل بما تختار أن تضعه في التداول.