بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

الضمّ المؤجَّل أم الاحتلال المقنَّع؟ الضفة الغربية بين القانون الدولي والواقع الميداني

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

يعود ملفّ ضمّ الضفة الغربية إلى صدارة النقاش الدولي بعدما صوّت الكنيست الإسرائيلي، في أيلول/سبتمبر 2025، على مشاريع قوانين تُمهّد لفرض السيادة على أجزاء من الضفة. خطوةٌ رمزية في ظاهرها، لكنها تعكس نزعة متصاعدة داخل اليمين الإسرائيلي نحو تحويل الاحتلال القائم إلى سيادة مُشرعَنة. إنّ هذا التحرك، وإن بدا قانونياً في شكله، يُعيد فتح جرح قديم في الوعي العربي والدولي: إلى أي مدى يستطيع القانون الدولي الصمود أمام سياسة فرض الأمر الواقع؟

في العمق، تتحرك الحكومة الإسرائيلية تحت ضغط توازنات داخلية هشة. الأحزاب الدينية–القومية تدفع نحو تحقيق رؤيتها العقائدية في السيطرة الكاملة على ما تسميه “يهودا والسامرة”، بينما يحاول الائتلاف الحاكم الحفاظ على تماسكه أمام احتجاجات اقتصادية ومجتمعية متزايدة.

لذلك، يُصبح الضمّ ورقة سياسية مزدوجة: طمأنة للقاعدة اليمينية في الداخل، وإشارة للخارج بأن إسرائيل تملك زمام المبادرة. غير أن هذه الورقة، وإن استُخدمت تكتيكياً، تحوّلت إلى استراتيجية زاحفة على الأرض عبر التوسع الاستيطاني والإجراءات الإدارية المتكررة، لتغدو الفواصل بين الاحتلال والضمّ أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

إجماع عربي نادر

على نحو لافت، بدا الموقف العربي هذه المرة أكثر اتساقاً وصلابة. حيث اجتمعت الدول العربية على رفض أي خطوة أحادية تمس الأراضي الفلسطينية، مؤكدة على أن الضمّ انتهاكٌ صارخ للقانون الدولي وتقويضٌ لأسس عملية السلام.

وحذّرت دول، في بيانات متزامنة، من أنّ أي تجاوز للاتفاقات يُشكّل “خطاً أحمر” يستدعي مراجعة العلاقات مع إسرائيل، في حين جدّدت أخرى تمسّكها بمبادرة السلام العربية وقيام دولة فلسطينية على حدود 1967.

في المقابل، ذهبت بعض الدول إلى أبعد من ذلك، وعدّت الضمّ تهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة، ومسّاً بالاتفاقيات التاريخية، ومنها من شدّد على ضرورة تحرّك عربي مُنسّق لمواجهة السياسات الإسرائيلية.

بهذا الإجماع، استعادت الدبلوماسية العربية نبرة جماعية كانت غائبة منذ سنوات، في مواجهة واقع ميداني يزداد تعقيداً يوماً بعد آخر.

الغرب بين التحذير والمجاملة

على المقلب الآخر، بدت مواقف العواصم الغربية مترددة ومجزّأة. الولايات المتحدة اكتفت ببيانات “قلق” وعبارات تحذير دبلوماسية لا تتجاوز التصريحات الصحفية، من دون أدوات ضغط حقيقية. هذا الغياب العملي شجّع إسرائيل على المُضي قُدُماً في تكريس واقع جديد على الأرض.

أما أوروبا، فبدت أكثر وضوحاً. وحذّرت فرنسا، على لسان الرئيس إيمانويل ماكرون، من أنّ الضم “خط أحمر يهدد الاستقرار الإقليمي”، ولمّحت ألمانيا إلى احتمال مراجعة التعاون الثنائي في حال المضي في الخطط. وفي خطوة رمزية لكنّها مؤثرة، أعلنت بريطانيا وكندا وأستراليا اعترافها الرسمي بدولة فلسطين، في رسالة مزدوجة مفادها، إن لم يتحقق السلام عبر التفاوض، فسيُفرض من خلال الاعتراف.

الشرعية الدولية.. القانون يُستدعى متأخراً 

في تموز/يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية في لاهاي فتوى اعتبرت الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية غير قانوني، مُؤكدة مخالفة إسرائيل لاتفاقية جنيف الرابعة ولقرارات مجلس الأمن 242 و2334.

غير أنّ هذه الشرعية القانونية، رغم وزنها، تبدو عاجزة أمام دينامية الواقع. فالمستوطنات تتوسع بوتيرة غير مسبوقة، والجيش الإسرائيلي يفرض سيطرة كاملة على مناطق (C) التي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة، فيما تتراجع قدرة السلطة الفلسطينية على إدارة شؤونها في مناطق (A) و(B).

بهذا التآكل الجغرافي والمؤسساتي، يتحول حلّ الدولتين إلى إطار دبلوماسي بلا مضمون عملي، أشبه بظل فكرة أكثر منه مشروعاً سياسياً حياً.

اختبار الإرادة الدولية

اليوم، تجد إسرائيل نفسها في موقع من يختبر حدود النظام الدولي نفسه. فهي تدرك أن انقسام الفلسطينيين وغياب ضغط غربي فعلي يمنحانها وقتاً ومساحة. أما العرب، فبين من يسعى إلى احتواء سياسي ومن يُلوّح بقطع العلاقات، تبدو قدرتهم على تحويل الموقف الأخلاقي إلى تأثير فعلي محدودة.
من جهته، يقف الغرب بين خطاب المبادئ ومصالح التحالفات. وهكذا، تتقدم الوقائع على الخطاب، وتُختبر العدالة الدولية في ميدان جغرافي صغير اسمه الضفة الغربية.

في النهاية، لم تعد قضية الضمّ مُجرّد خلاف سياسي حول الحدود، بل تحوّلت إلى مرآة لعجز النظام الدولي عن فرض قواعده على الأرض. وبين رفض عربي واضح وتحذيرات غربية متزايدة، تمضي إسرائيل في تثبيت وجودها ببطء محسوب، مستفيدة من الوقت والانقسام واللامبالاة.
ويبقى السؤال مفتوحاً على نحو لافت، هل يمكن للقانون الدولي أن يصمد أمام الجغرافيا السياسية، أم أن الضمّ المؤجل ليس سوى الوجه القانوني للاحتلال المقنّع؟