يشهد الصومال منذ أكثر من عقد مرحلة حرجة، مع تصاعد الهجمات المسلحة وتوسع رقعة العنف بشكل يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي. وبعد سنوات من النزاع والفوضى، يبدو أن جهود استعادة الدولة تواجه اختباراً حقيقياً، خصوصاً مع الانسحاب التدريجي لقوات الاتحاد الإفريقي، وترك الحكومة الصومالية أمام مسؤولية تأمين أراضيها وتعزيز سيطرتها على المناطق الحيوية.
من أبرز تحديات هذا الملف، العلاقة المعقدة بين حركة الشباب، المرتبطة بالقاعدة، وتنظيم داعش الصومال. إذ تواصل الحركة شن هجمات مباغتة على مقديشو والمدن الكبرى، مستخدمة التفجيرات الانتحارية والعبوات الناسفة وعمليات الاقتحام المباشر ضد مواقع حكومية ومراكز عسكرية وزعماء عشائر ومسؤولين محليين، والهدف إضعاف التحالفات السياسية والأمنية بين الحكومة والولايات.
في الوقت ذاته، يحافظ تنظيم داعش على وجوده في المناطق الجبلية النائية شمالي شرق البلاد، مستفيداً من التضاريس الوعرة لتجنب الضربات الجوية وتخطيط عملياته. هذه العلاقة المتشابكة بين التنظيمين تزيد من تعقيد المعركة الأمنية، إذ تضطر القوات الصومالية لتوزيع جهودها بين جبهات متعددة، فيما يستغل التنظيمان الثغرات السياسية واللوجستية.
السيطرة أم الفوضى؟
على الصعيد الحكومي، تواجه القوات الفيدرالية تحديات لوجستية وسياسية كبيرة. الصراع على السلطات والموارد بين الحكومة الفيدرالية وبعض الولايات، مثل بونتلاند وجوبالاند، يعرقل التنسيق الأمني ويترك فجوات يمكن أن تستغلها حركة الشباب وداعش. ومع الانسحاب التدريجي لبعثة الاتحاد الإفريقي، يصبح تأمين المناطق الريفية والنائية أكثر هشاشة، ما يزيد من الحاجة إلى دعم جوي واستخباراتي مستمر لضمان بقاء السيطرة الحكومية.
يلعب الدعم الأمريكي دوراً محورياً في معادلة الأمن الصومالية. إذ توفر واشنطن التدريب والتجهيز والمراقبة، وتنفذ ضربات جوية دقيقة ضد أهداف حركة الشباب وداعش، مستهدفة قيادات التنظيمين ومراكزهم الرئيسية. وما الضربات الأخيرة في جبال علمسكاد وبونتلاند، بالتنسيق مع القوات المحلية، إلا تأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، وتعكس تحولاً في الاستراتيجية الأمريكية للتركيز على استهداف مراكز الثقل الجغرافي للتنظيمين في المناطق النائية.
لم تقتصر هذه الشراكة على العمليات العسكرية، بل امتدت إلى بناء قدرات الأمن الصومالي، وتعزيز مؤسسات الشرطة والقضاء، بالإضافة إلى تقديم الدعم الفني في مجال الأمن السيبراني وجمع المعلومات الاستخباراتية، على أن يرافق ذلك نجاح الإصلاحات السياسية الداخلية لتحقيق استدامة النتائج.
أزمة إنسانية وهشاشة أوضاع المدنيين
تتفاقم الأزمة بفعل موجات الجفاف المتكررة ونقص الموارد الأساسية، ما يزيد من معاناة المدنيين ويؤدي إلى تعطيل الزراعة وإغلاق الأسواق ونزوح آلاف العائلات. المناطق الريفية تعاني نقصاً حاداً في الخدمات الصحية والتعليمية، ويزداد خطر التجنيد القسري للأطفال ضمن القوات الحكومية أو الجماعات المسلحة. هذه المعطيات تجعل من الصعب على الحكومة تحقيق الاستقرار المالي المطلوب لتمويل العمليات الأمنية والخدمات الأساسية، ما يزيد الضغط على المجتمع الدولي لدعم خطط التنمية والإغاثة.
على المستوى الإقليمي، تتأثر الصومال بالتحولات في دول القرن الإفريقي، لا سيما إثيوبيا وكينيا، اللتين تدعمان الحكومة الفيدرالية عبر بعثات الاتحاد الإفريقي، ما يخلق توازن قوى هش بين التدخل الخارجي والقدرة المحلية على فرض الأمن، ويجعل العلاقات الدولية محوراً أساساً في المعركة ضد العنف.
الهجمات الأخيرة والرد الصومالي-الأمريكي
في الأشهر الأخيرة، سجلت الساحة العسكرية تصعيداً أمريكياً واضحاً ضد تنظيم داعش في شمالي شرق البلاد. حينها، نفذت قيادة القوات الأمريكية في إفريقيا “أفريكوم” غارات جوية دقيقة على مواقع التنظيم في جبال علمسكاد، بالتنسيق مع القوات الصومالية، بهدف تقويض قدراته على إعادة التنظيم وشن هجمات كبيرة. وعلى الرغم من هذه الضربات، ظل التنظيم قادراً على الانكفاء ضمن خلايا صغيرة متناثرة، ما يجعل التهديد ممتداً وطويل الأمد، ويؤكد أن الحل لا يقتصر على القوة العسكرية فقط، بل يتطلب جهوداً سياسية وتنموية للحد من بيئة التطرف.
وتوضح هذه المعطيات أن تصاعد الهجمات لا يقتصر على حركة الشباب، بل يشمل تواجد داعش الصومال الذي أصبح شريكاً غير رسمي في تعزيز حالة عدم الاستقرار. العلاقة بين التنظيمين، سواء بالتنافس أو التواجد المتزامن في مناطق مختلفة، تزيد من صعوبة القضاء على الإرهاب، وتجعل التحدي أكبر أمام الحكومة الصومالية والمجتمع الدولي.
استثمار الدعم أو الانزلاق
تقف الصومال اليوم أمام خيارين رئيسيين: الأول، يتمثل في قدرة الحكومة على استثمار الدعم الدولي، خصوصاً الأمريكي، لتحقيق إصلاحات سياسية وأمنية فعالة، وبناء مؤسسات قوية، وتحقيق توافق مع الولايات المحلية لضمان استقرار طويل الأمد. والثاني، استمرار الفجوات الأمنية وفشل التنسيق السياسي، وبالتالي تعزيز نفوذ حركة الشباب وداعش وإعادة انتشارها في مناطق واسعة، وهو ما يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين، ويزيد من تعقيد جهود الإغاثة والتنمية.
يبقى المستقبل مرهوناً بقدرة الصومال على دمج الجهود الدولية مع التحالفات المحلية، وتعزيز مشاركة المجتمع المدني في مراقبة الأداء الحكومي، وبناء مؤسسات شفافة ومستقرة. وبالطبع، سيكون للجيش الصومالي كلمته من خلال مدى قدرته على تطوير ذخيرته البشرية واللوجستية، واستدامة التعاون العسكري الدولي لكسر حلقة العنف المستمرة، وإرساء قاعدة الاستقرار المستدام.
في النهاية، المعركة في الصومال ليست فقط بين الجيش وحركة الشباب أو داعش، بل هي صراع على مستقبل الدولة، وقدرتها على حماية مواطنيها، وإعادة بناء مؤسساتها، وتحقيق استقرار طويل الأمد في رقعة جغرافية لطالما عانت من هشاشة وتدخلات إقليمية ودولية. يمثل الدعم الدولي، وبالأخص الأمريكي، فرصة حقيقية لانتشال الصومال من براثن الشر، لكن نجاحه مرتبط بمدى التزام الحكومة بالإصلاحات الداخلية وبناء شراكات محلية فاعلة، وإلا ستظل حلقات العنف مستمرة، وستتعاظم معاناة الشعب الصومالي.















