تصل مادة خرجت من مناطق القتال في السودان إلى مصنع أغذية أو أدوية أو مستحضرات تجميل، من دون أن تحمل معها أثراً ظاهراً للحرب التي عبرتها. تختفي أسماء القرى والطرق ونقاط التفتيش والجهات التي فرضت الرسوم، وتبقى في الأوراق التجارية سلعة طبيعية تسمى “الصمغ العربي”، أو مكوّناً صناعياً يحمل الرمز “E414”.
تكمن خطورة هذه التجارة في قدرتها على فصل المنتج عن الظروف التي أنتجته ونقلته. الصمغ العربي لا يكشف فقط كيف يمكن لمورد سوداني أن يتحول إلى مصدر إيرادات لأطراف مسلحة، بل يوضح أيضاً كيف تستطيع الأسواق العالمية استيعاب سلع قادمة من مناطق النزاع، وإعادة إدماجها في التجارة القانونية عبر وسطاء ودول عبور ووثائق جديدة، حتى يُصبح تحديد منشئها الفعلي والجهات التي استفادت منها بالغ الصعوبة.
حذّرت إحاطة صادرة عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في 15 يوليو/تموز 2026 من أن أطراف الحرب السودانية باتت تعتمد بصورة متزايدة على السيطرة على الأراضي والسلع وطرق التجارة لتوليد الإيرادات اللازمة لاستمرار العمليات العسكرية. واختارت الورقة الصمغ العربي نموذجاً لأنه يربط مناطق الصراع في كردفان ودارفور بصناعات غذائية ودوائية وتجميلية موزعة حول العالم.
وقبل اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023، كان السودان يستحوذ على نحو 70 إلى 80% من صادرات الصمغ العربي الخام عالمياً، ما جعل السلعة جزءاً يصعب استبداله سريعاً في عدد كبير من سلاسل الإنتاج الدولية. هذه المكانة لم تختف مع الحرب، لكنها أصبحت مصدر قوة لشبكات تتحكم في الأرض والطريق والحدود، لا للمزارعين الذين ينتجون الصمغ بالضرورة.
من السيطرة إلى الجباية
لا تحتاج الأطراف المسلحة إلى امتلاك مصانع معالجة الصمغ العربي أو شركات تصديره حتى تحقق دخلاً منه. يكفي أن تسيطر على مناطق الإنتاج، أو الطرق التي تسلكها الشاحنات، أو الأسواق والمخازن والمعابر التي تمر بها السلعة.
وبحسب التقرير الأممي، خرجت كميات كبيرة من الصمغ من مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في غرب كردفان وأجزاء من دارفور، قبل إعادة توجيهها عبر مسارات تهريب حدودية. كما تحدثت مصادر تجارية وتقارير دولية عن فرض رسوم على التجار، والتحكم في طرق العبور، والاستيلاء على مخزونات معدة للبيع.
في مايو/أيار 2025، نُهبت، بحسب التقرير، بورصة الصمغ العربي ومخازنها وأجزاء من سوق مدينة النهود في غرب كردفان، عند دخول قوات الدعم السريع المدينة، في وقت كانت فيه المخازن تحتوي على كميات جاهزة للتصدير. ولم يكن النهب مجرد خسارة تجارية محلية، بل نقل السيطرة على سلعة قابلة للتحويل سريعاً إلى نقد داخل شبكة إقليمية من المشترين والوسطاء.
على الجانب الآخر، تتحرك بعض الكميات الخارجة من المناطق الخاضعة للجيش السوداني باتجاه بورتسودان، المنفذ الرئيسي للتجارة الرسمية. لكن هذه المسارات تمر بدورها عبر طبقات من نقاط التفتيش والإجراءات والرسوم الرسمية وغير الرسمية، بما يرفع تكلفة النقل ويحوّل الطريق نفسه إلى مورد مالي للجهات التي تتحكم فيه.
بهذا، لا تُموّل الحرب عند بيع الصمغ فقط. بل تولد الإيرادات عند إخراجه من منطقة الإنتاج، وعند المرور عبر الطرق والمعابر، وعند التخزين، وعند دخول السوق، وعند الحصول على الوثائق والتصاريح اللازمة للتصدير.
وتتحول سلسلة الإمداد إلى دورة جباية، ويصبح استمرار الحركة التجارية مصلحة لمن يملك السلاح أو الحاجز أو الطريق، حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً في الزراعة أو المعالجة أو التصدير.
الحرب تعيد رسم الخريطة
لم يؤدِّ انخفاض الصادرات المسجلة رسمياً من السودان إلى اختفاء الصمغ السوداني من الأسواق الدولية، الذي تغير هو خريطة التجارة والجهات التي تمر السلعة عبرها قبل الوصول إلى المشتري النهائي.
ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى خطر دخول الصمغ السوداني في القنوات الجمركية لدول الجوار، ومعاملته كمنتج محلي أو إعادة تصديره بوثائق جديدة. وفي هذه الحالة، قد تصبح الأوراق صحيحة شكلياً من حيث الدولة التي خرجت منها الشحنة، لكنها لا تكشف مكان الحصاد الفعلي، أو الطريق الذي عبرته، أو الجهات التي تقاضت رسوماً مقابل مرورها.
هنا يتجاوز التهريب وظيفته التقليدية المتمثلة في تجنب الضرائب أو القيود الحدودية. فهو يحافظ على تدفق السلعة إلى السوق العالمية، ويوفر إيرادات للأطراف المسيطرة على طرقها، ويحول دون حدوث نقص كبير يدفع المستوردين إلى البحث الجدي في كيفية وصولها.
في غضون ذلك، يحد استمرار الإمدادات من الضغوط التي قد تجبر الشركات على إعادة تصميم منظومات مشترياتها. وما دامت المادة تصل، وتظل أسعارها ضمن نطاق يمكن تحمله، تبقى كلفة التدقيق العميق أعلى من كلفة الاكتفاء بالوثائق المتاحة.
لهذا لا يمكن النظر إلى السوق العالمية بوصفها متلقياً سلبياً لسلعة قادمة من النزاع. استمرار الطلب، مع قبول مستويات محدودة من الشفافية، يمنح شبكات التهريب والوسطاء القدرة على دمج الصمغ الخارج من مناطق الحرب في التجارة القانونية.
المزارع ينتج والقوة تحصد
حتى عندما ترتفع أسعار الصمغ العربي خلال فترات اضطراب الإمدادات، لا يعني ذلك أن المنتجين داخل السودان يحصلون على حصة أكبر من القيمة. فملايين السودانيين يعتمدون على هذا القطاع، وبينهم مزارعون صغار وعمال موسميون وأسر ريفية تستخدم الصمغ مصدراً للدخل خلال موسم الجفاف. لكن هؤلاء يقفون عند الطرف الأضعف من السلسلة، ولا يملكون عادةً القدرة على الوصول المباشر إلى المشترين الدوليين أو التحكم في النقل والتخزين والتصدير.
أدت الحرب إلى تعطيل الأسواق المحلية، ونقص السيولة، وصعوبة الوصول إلى مناطق الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل. كما تعرض عاملون وتجار في القطاع للتهديد والاحتجاز والابتزاز والنهب، ما ضيّق خيارات البيع وأضعف القدرة على التفاوض.
في هذه البيئة، يستطيع الوسيط أو الجهة المسيطرة شراء الصمغ بأسعار منخفضة داخل منطقة الإنتاج، لأن المزارع يحتاج إلى السيولة ولا يملك طريقاً بديلاً إلى السوق. ثم ترتفع قيمة السلعة كلما عبرت الحدود وانتقلت بين الوسطاء ووصلت إلى شركات المعالجة والمستوردين الدوليين.
يحصل المنتج على سعر منخفض بسبب العزلة وانعدام البدائل. وتحصل القوة المسيطرة على رسوم المرور والحماية. ويحصل الوسيط على فارق السعر. ثم تصل السلعة إلى المصنع العالمي بعد أن ارتفعت قيمتها، في الوقت الذي أصبحت فيه القدرة على تحديد أصلها ومسارها أقل وضوحاً.
اختبار وعود الشركات
تشتري شركات متخصصة الصمغ الخام أو شبه المُصنّع، ثم تعالجه وتبيعه إلى شركات الأغذية والمشروبات والأدوية ومستحضرات التجميل. وأعلنت بعض الشركات تنويع مصادرها أو تقليص مشترياتها المباشرة من السودان، بينما تقول شركات أخرى إنها تطبق أنظمة صارمة لتتبع الشحنات والموردين.
لكن التحدي يبدأ قبل وصول الصمغ إلى الشركة الأوروبية أو الأمريكية بوقت طويل. فإذا خرج من السودان عبر سوق حدودية، ثم أعيد توثيقه أو تصديره من دولة أخرى، فلن يكون فحص المورد المباشر أو مراجعة آخر فاتورة تجارية كافياً.
ولا تكفي شهادة المنشأ إذا أُعيد توثيق السلعة أو تصنيفها على نحو مضلل في دولة عبور. فقد تحمل الشحنة أوراقاً لا تكشف مكان الحصاد الفعلي، أو الطريق الذي سلكته قبل دخول القنوات التجارية الرسمية. كما أن شهادة الالتزام الاجتماعي لدى وسيط أو مصنع لا تكشف تلقائياً الرسوم التي دُفعت عند نقاط التفتيش، أو الجهة التي استولت على المخزون، أو الطرف الذي أمّن عبوره من منطقة إلى أخرى.
لهذا دعا مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان الشركات إلى تطبيق إجراءات عناية واجبة معززة ومراعية للنزاعات، تتجاوز مراجعة الوثائق التجارية المباشرة إلى التدقيق في طرق النقل، والوسطاء، ومناطق الشراء، واحتمالات إعادة تصنيف المنشأ.
المقاطعة أم السوق السوداء
هذه المخاطر لا تقود تلقائياً إلى أن المقاطعة الشاملة هي الخيار الأكثر فاعلية. وقف شراء الصمغ السوداني بالكامل قد يهدد مصدر دخل يعتمد عليه ملايين السودانيين، ويدفع مزيداً من التجارة إلى القنوات السرية، حيث تتراجع إمكانات الرقابة وتتوسع قدرة الجماعات المسلحة والوسطاء على فرض شروطهم.
الاستجابة الأكثر دقة تقوم على استهداف شبكات الاستيلاء والابتزاز والجباية وتزوير المنشأ، بدلاً من معاقبة السلعة أو المنتجين الذين يعتمدون عليها.
يتطلب ذلك إنشاء مسارات تجارية يمكن التحقق منها، وربط المشتريات بتعاونيات ومنظمات منتجين معروفة، ومقارنة صادرات دول العبور بقدرتها الإنتاجية الفعلية، وتبادل البيانات الجمركية بين الدول المستوردة ودول المنطقة.
أما الحكومات، فيمكنها توجيه العقوبات إلى الأفراد والكيانات المتورطة في النهب والابتزاز وتزوير المنشأ، بدلاً من فرض حظر واسع يدفع القطاع كله إلى السرية ويضعف المنتجين الذين لا يملكون بديلاً اقتصادياً.
يكشف الصمغ العربي وجهاً مختلفاً للاقتصاد السوداني تحت الحرب. فالمورد الطبيعي لا يتحول إلى وقود للنزاع بسبب قيمته وحدها، بل بسبب القدرة على السيطرة على حركته، وإخفاء أصله، وتحويل استمرار الطلب العالمي إلى رسوم وأرباح للمسلحين والوسطاء.















