استثمرت طهران لعقود في بناء شبكة نفوذ إقليمية قائمة على رعاية الفصائل المسلحة وتوظيفها كورقة ضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. لكن مع توقيع الصفقة الأمريكية-الإيرانية الأخيرة، برز تحول أكثر قسوة من مجرد إعادة ترتيب أولويات: فقد بدا أن طهران لم تعد تتعامل مع حلفائها بوصفهم التزامات استراتيجية، بل كأصول سياسية قابلة للتوظيف والتخلي عنها عند لحظة المقايضة الكبرى.
لم تظهر حركة “حماس” في أي من البنود العلنية للاتفاق، ولم يُمنح الملف الفلسطيني أي حضور داخل التفاهمات التي أعادت رسم خطوط التهدئة بين واشنطن وطهران. هذا الغياب لم يكن تفصيلاً هامشياً، بل انعكاساً مباشراً لطبيعة الصفقة نفسها، حيث تركزت المفاوضات على ملفات النفط والعقوبات والأمن الإقليمي، فيما جرى إبعاد كل ما يمكن أن يعرقل التفاهم أو يرفع كلفته السياسية.
غياب يكشف منطق الصفقة
لا يمكن قراءة استبعاد “حماس” من الاتفاق باعتباره مجرّد قرار بروتوكولي أمريكي، بل كجزء من هندسة سياسية أوسع أعادت تعريف أولويات الأطراف كافة. فالولايات المتحدة التزمت منذ البداية بإطار تفاوضي لا يمنح أي شرعية للفصائل المصنّفة لديها ضمن قوائم الإرهاب، لكن اللافت هو قبول إيران الدخول في هذا الإطار من دون محاولة فرض حضور سياسي أو تفاوضي لحلفائها في غزة.
يعكس هذا السلوك انتقال طهران من خطاب “وحدة الساحات” إلى منطق “تجزئة الملفات”. فعندما تعلق الأمر بمكاسب استراتيجية مباشرة—تخفيف العقوبات، استعادة صادرات النفط، وتثبيت التهدئة الإقليمية—تراجع ملف الحلفاء إلى مرتبة ثانوية، لا تؤثر على مسار القرار ولا على شكل الاتفاق النهائي.
التهدئة فوق الحسابات الأيديولوجية
ينص الاتفاق على وقف التصعيد العسكري في عدد من الجبهات الإقليمية، ضمن تفاهمات غير مباشرة تهدف إلى إعادة ضبط الإيقاع الأمني في المنطقة. وعلى الرغم من أن النصوص لا تشير صراحة إلى غزة أو حماس، فإن السياق السياسي العام يوحي بأن مرحلة جديدة من “إدارة الصراع” قد بدأت، عنوانها الأساسي تقليص ساحات الاشتباك المفتوح.
في هذه المعادلة، تتحول الفصائل المسلحة من أدوات ضغط نشطة إلى عناصر يجب ضبط حركتها أو تحييدها مؤقتاً. وهنا يظهر التناقض بين الخطاب الإيراني الذي لطالما قدّم هذه الفصائل كجزء من مشروع مقاومة شامل، وبين الممارسة السياسية التي تتعامل معها كأوراق يمكن تجميدها أو تهميشها إذا اقتضت الضرورة التفاوضية.
غزة خارج هندسة التفاهم
أحد أبرز ملامح الصفقة هو الفصل شبه الكامل بين الملف الإيراني-الأمريكي وبين ملف غزة. فقد تُركت القضية الفلسطينية لمسارات تفاوضية موازية تقودها أطراف إقليمية أخرى، بعيداً عن طاولة التفاهم الرئيسة بين واشنطن وطهران.
هذا الفصل لم يكن مجرد توزيع أدوار دبلوماسية، بل إعادة تعريف لمكانة غزة ضمن الأولويات الإقليمية. فبدلاً من أن تكون جزءاً من مقايضة سياسية كبرى، جرى التعامل معها كملف منفصل يخضع لحسابات مختلفة تماماً، ما يقلص من قدرة أي طرف إقليمي على توظيفها مباشرة داخل التفاهمات الكبرى.
والنتيجة أن حماس تجد نفسها خارج هندسة القرار التي أعادت تشكيل الإقليم، في لحظة تتغير فيها قواعد الاشتباك من دون أن تكون جزءاً من صياغتها.
من حليف إلى ورقة ضغط
تكشف الصفقة الأمريكية-الإيرانية عن تحول أعمق في بنية العلاقة بين طهران وحلفائها. فبدلاً من منطق الالتزام العقائدي الثابت، يبرز منطق أكثر براغماتية يقوم على إدارة النفوذ وفق ميزان الربح والخسارة.
في هذا السياق، لا يبدو أن طهران “تعلن” التخلي عن “حماس”، بقدر ما تمارس إعادة تموضع تجعل من استمرار دعمها للحلفاء مسألة مرتبطة بتكلفة هذا الدعم مقابل المكاسب الاستراتيجية الأكبر. وعندما تتقدم ملفات الدولة —الاقتصاد، العقوبات، والأمن القومي— يتراجع تلقائياً وزن الحلفاء في سلّم الأولويات.
هذا التحول لا يعني نهاية العلاقة، لكنه يضعها في إطار أكثر بروداً وحساباً، حيث لا مكان للثوابت المطلقة في لحظة التفاوض الكبرى.
إعادة التموضع
لا تقدم الصفقة الأمريكية-الإيرانية إجابة نهائية حول مستقبل “حماس”، لكنها تكشف بوضوح أن الإقليم دخل مرحلة إعادة توزيع قاسية للأدوار والنفوذ. فالدول تتقدم في لحظات التفاوض الكبرى على حساب الشبكات غير الرسمية، وتتحول الشعارات إلى أدوات ثانوية أمام الحسابات الاستراتيجية المباشرة.
وفي هذا المشهد، لا تبدو “حماس” اللاعب الوحيد الذي خرج من دائرة التأثير المباشر، بل نموذجاً أوسع لتحولات تطال مفهوم “الحليف” نفسه في السياسة الإقليمية. أما طهران، فتبدو منشغلة بإعادة تثبيت موقعها في النظام الدولي، حتى لو تطلب ذلك إعادة تعريف حدود التزامها تجاه من بنوا جزءاً من نفوذها على الأرض.















