كثيرون كتبوا عن تجربة الملحن والمغني المصري الشهير إمام محمد أحمد عيسى، المعروف باسم “الشيخ إمام”، بوصفه “مطرب الشعب” و”مغني الثورة”، وربطوا حضوره الواسع بثنائيته الشهيرة مع الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم. لكن قراءة هذه التجربة من زاوية التكوين الفني، لا من زاوية الحضور السياسي وحده، تكشف أن قوة الشيخ إمام لم تأت من الموقف الاحتجاجي وحده، بل من قدرته على تحويل ميراث الإنشاد الديني، وخفة النكتة السياسية، إلى أغنية قابلة للحفظ والترديد والانتقال بين الناس.
من هنا تبدو تجربة الشيخ إمام أقل شبهاً بسيرة مطرب سياسي، وأكثر اقتراباً من سيرة صوت خرج من الهامش الاجتماعي والديني والشعبي، ثم وجد في السخرية والإنشاد واللغة اليومية أدواته لبناء أثر طويل. لم يكن صوته مجرد تعليق على لحظة سياسية، بل وسيلة لتثبيت ذاكرة احتجاجية كاملة، ظلّت حاضرة بعد رحيله، وعادت إلى الواجهة في محطات عربية مختلفة كلما احتاج الناس إلى أغنية تقول ما يصعب قوله مباشرة.
أغلب الظن أن الطريق الذي دخل منه الشيخ إمام إلى هذه المساحة اللامتناهية الأثر، مرّ ببوابتين لا ثالث لهما: مدرسة الإنشاد الديني والمديح النبوي، و”الأغنية الساخرة”، أي تحويل النكتة السياسية إلى عبارات موقعة أقرب إلى هتافات المظاهرات المكتوبة بلغة شعرية خفيفة الإيقاع يسهل ترديدها وحفظها وتناقلها واستخدامها عند الحاجة.
من خلال هاتين البوابتين اللتين دخلهما الشيخ إمام إجبارًا لا اختيارًا، كان أقرب ما يكون إلى شخص محظوظ بالمعاناة والآلام التي واجهها في بداية حياته، بل ومنذ لحظة ولادته، وأجبرته على سلوك الطريق الوحيد الذي يناسب موهبته ويليق به. فلولا هذه الآلام، ما عرف طريق الغناء الديني، ولا الموسيقى، ولولاها لما أصبح صوت مصر والشعوب العربية وملايين المقاومين حول العالم. لولاها لما كان هو “الشيخ إمام” الذي نعرفه الآن، ونحتفل بذكرى ميلاده في الثاني من يوليو.
طريق المصادفات
الشيخ إمام عيسى المولود في الثاني من يوليو عام 1918، بإحدى قرى جنوب الجيزة، كان أول طفل يعيش لأمه وأبيه، بعد وفاة أشقائه السبعة مبكرًا. ولم تمض سنوات قليلة حتى أصيب بالرمد الحُبيبي، ذات المرض الذي سبق له أن أصاب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين عندما كان طفلًا. وكما حدث مع العميد، لجأت أسرة الشيخ إمام إلى علاجه بذات الوصفات البلدية التي كانت شائعة في ذلك الوقت، والتي كان من نتيجتها أن فقد بصره، ولم يعد أمامه لكي يحيا كفاقد للبصر سوى حفظ القرآن الكريم وتجويده، تمهيدًا لاشتغاله بقراءته في المآتم أو مكاتب التحفيظ كما كان متبعًا في غالبية قرى مصر في تلك السنوات، وهو الطريق الذي لم يستطع الاستمرار فيه بسبب حبه للغناء، ومواظبته على حضور الأفراح واحتفالات الحج، وغيرها من المناسبات التي تقام فيها الزينات، ويعلو صوت الإنشاد وقص الحكايات والسير. وهو الحال الذي لم يعجب والده، فقد كان رجلًا قاسيًا غليظ القلب، لا يريد لابنه إلا أن يصبح عالم دين كبير، تحيط به الهيبة والوقار، وهو ما لا يتسق مع حب الطفل للغناء والإنشاد، ومما زاد من معاناة الطفل مع أبيه، أن تم فصله من الجمعية الشرعية.
وعلى الرغم من أن قرار الفصل كان سببه غير منطقي أبداً، لكنه كان متسقًا مع طبيعة ذلك الزمن، إذ كان سبب فصله هو حبه للاستماع إلى قراءة القرآن بصوت الشيخ محمد رفعت، وكان الاستماع للإذاعة من ممنوعات الجمعية باعتباره بدعة غير مقبولة آنذاك. وعندما بحث والده عنه، وجده يقضي نهاره في حي الحسين، وليله في أروقة الأزهر الشريف حيث كان ينام، فأهانه وضربه وحذره من العودة لقريته مرة أخرى، فعاش الطفل إمام عيسى هائمًا على وجهه، لا يعرف أين يذهب، حتى قابل مجموعة من أهالي قريته في حي “الغورية”، ودعوه للإقامة معهم فوافق ممتنًا لهم.
ولكي لا يكون عالة على أحد، امتهن عيسى الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم في المنازل الكبيرة والمآتم وحفلات الذكر، واستمر على هذا الحال حتى سمعه الشيخ درويش الحريري، أحد كبار علماء الموسيقى، عندما قابله مصادفة في محل حلاقة قريب من مسكنه، فأعجب به وبصوته. وعندما علم بوضعه قرر أن يتولى تعليمه الموسيقى والمقامات، واصطحبه معه في جلسات الإنشاد والطرب، فذاع صيته وتعرف على كبار المطربين والمقرئين وقتها ومنهم الموسيقار زكريا أحمد والشيخ محمود صبح.
“الأولة في الغرام”
لزم الشيخ إمام الموسيقار زكريا أحمد، الذي أحبه وقربه منه، حتى علم أنه كان يفاخر بين أقرانه باستماعه لأغاني أم كلثوم التي يلحنها لها قبل الكشف عنها في حفل رسمي، وأنه كثيرًا ما كان يسترجع هذه الألحان أمامهم، ويتم تسريبها للناس قبل أن تُغنى. ومنها أغنيات “أهل الهوى”، و”أنا في انتظارك” و”الأولة في الغرام”، فقرر الاستغناء عن خدماته وإبعاده عنه.
مرة أخرى عاد الفتى إلى رحلة التخبط والبحث عن مستقر، فكان أن قرر تعلم العزف على العود والتفكير في التلحين. ويحكي الشاعر سيد عنبة، مؤسس “جمعية محبي الشيخ إمام”، في أحد حواراته أنه في ذلك الوقت أصبح يغني في الحفلات الشعبية، كما انضم إلى جوقة المنشد عبدالسميع بيومي، التي استمر فيها سنوات طويلة.
وفي منتصف الأربعينيات تخلى عن الملابس التقليدية للمقرئين، وارتدى البدلة وأصبح أفنديًا. مع ذلك، رافقه لقب الشيخ إمام حتى آخر يوم في حياته. وفي عام 1945 قدم أول أغنياته بعنوان “فرَّح فؤادي الحبيب وجاني”، التي تأثرت، مع أعمال أخرى بنمط طرب المشايخ.
موعد مع نجم
في عام 1962، التقى الشاعر أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام لأول مرة، من خلال صديق لابن عم نجم، يقيم بجوار الشيخ إمام في حارة “حوش قدم”. سأل نجم الشيخ إمام حينها: “لماذا لا تلحن؟”، فأجاب بأنه لم يعثر على كلمات تستحق أن يغنيها. ليكون ذلك اللقاء اللبنة الأولى لواحدة من أشهر الثنائيات الفنية في تاريخ الأغنية العربية، واستمرت لسنوات طويلة.
يحكي الكاتب الكبير عبده جبير في كتابه “النغم الشارد”، الصادر عن دار “آفاق” عام 2015، أنه خلال هذه الفترة الساخنة من الحياة السياسية المصرية والعربية، انتشرت ظاهرة النقد السياسي اللاذع، والنكات الشعبية للتعليق على الأحداث، الأمر الذي اعتمدت عليه شهرة الثنائي “إمام ونجم”، وهو ما يؤكده سيد عنبة بقوله إنّه “من أهم الأشياء التي ميزت طابع الشيخ إمام، تقديمه مجموعة من الأغنيات ذات طابع كاريكاتيري، حققت نجاحًا كبيرًا وقتها، لأنها كانت قريبة من الجمهور العادي، وتقدم موقفًا أو حالة في سياق حدث معين، وتعبر عنها بصورة قريبة للناس. وتميز الشيخ إمام بهذا النوع وبرع فيه، خاصة أن هذه الفترة كان السائد في نوعية الغناء هو الأغاني العاطفية أو الوطنية العادية، أما هذا النوع فلم يقدمه كثير من الفنانين”.
هذا النمط من الغناء بحسب عبده جبير سبّب حرجًا كبيرًا لنظام الرئيس جمال عبد الناصر، فلجأ إلى محاولة تحييد الظاهرة عن طريق شراء المغني والشاعر الذي ارتبط به، وأصبح يقيم معه في حجرة رثة من حي الغورية العتيق بالقرب من الجامع الأزهر.
ويُروى أن عبد الناصر أرسل محمد فايق وزير الإرشاد وقتها إلى منزل الشيخ إمام، وعرض عليه الغناء في إذاعة “صوت العرب”. حينها، تشكك إمام ونجم من هذا الطلب، لأنه يأتي من السلطة التي ينتقدونها بشدة، وقررا رفضه.
استمر إمام ونجم في تقديم الأغنية السياسية الساخرة، وانتشرت قصائد نجم، التي لحنها وغناها إمام، كالنار في الهشيم داخل وخارج مصر. فكثر حولها الكلام، واختلفت الآراء.
في البداية استوعبت الدولة الشيخ وفرقته، وسمحت لهما بتنظيم حفل في نقابة الصحفيين، وفتحت لهما أبواب الإذاعة والتليفزيون، لكن سرعان ما انقلب الحال، فقُبض عليهما عام 1969 ليحاكما بتهمة حيازة وتعاطي المخدرات، وفق روايات صحفية وثقافية. إلا أن القاضي أطلق سراحهما آنذاك، لكن الأمن ظل يلاحقهما ويسجل أغانيهما، حتى حكم عليهما بالسجن المؤبد.
ومنذ ذلك الوقت، وهما يتنقلان من سجن إلى آخر، ومن قضية إلى أخرى، حتى أفرج عنهما بعد حرب أكتوبر، وعقب اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.















