هناك فنانون يصنعون مجدهم بالأرقام والشهرة، وآخرون تصنعهم المآسي. أما الشاب حسني، فقد صنعته الحياة أولاً، ثم صنعت منه المأساة أسطورة. بعد أكثر من ثلاثين عاماً على اغتياله من قبل متطرفين إسلامويين، في أحد أحياء وهران، يوم 29 سبتمبر 1994، يعود المخرج جمال قلفاوي في فيلمه التوثيقي “الشاب حسني.. ما زلت حيّاً” ليطرح سؤالاً يبدو بسيطاً في ظاهره: كيف استطاع شاب في السادسة والعشرين من عمره أن يهزم الموت، ليبقى حاضراً في الذاكرة الجماعية أكثر من كثيرين عاشوا طويلاً من بعده؟
لا يقدّم الفيلم سيرة تقليدية لفنان راحل، ولا يكتفي بإعادة سرد المحطات المعروفة من مسار صاحب “طال غيابك يا غزالي”. بل يحاول تفكيك ظاهرة ثقافية وإنسانية ارتبطت بواحدة من أكثر الفترات قتامة في تاريخ الجزائر المعاصر. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تنزلق نحو دوامة العنف الأعمى، كان صوت حسني ينساب من أجهزة التسجيل في الأحياء الشعبية والمقاهي وسيارات الأجرة، حاملاً خطاباً مضاداً لكل أشكال الموت: الحب!
كان ذلك وحده كافياً ليجعل منه هدفاً للمتطرفين.
حين نجا الصوت من الرصاص
لم يكن الشاب حسني سياسياً ولا منظّراً ولا زعيماً معارضاً. كانت جريمته الوحيدة أنه غنّى للحياة في زمن كان تجار الموت يريدون احتكار الفضاء العام بلغة الرعب والخوف. لذلك بدا اغتياله في سبتمبر 1994 وكأنه رسالة تتجاوز شخصه لتصيب الثقافة الجزائرية في الصميم.
لكن ما لم يدركه قتلة الشاب حسني آنذاك هو أن الأغنية، بخلاف جسد المغني، لا يمكن أن تموت.
تكمن قوة فيلم جمال قلفاوي في أنه يبتعد عن خطاب الرثاء السهل، ليقترب من الإنسان الذي كان متخفياً وراء الأسطورة. ومن خلال آخر حوار مصورّ أجراه حسني قبل أشهر قليلة من اغتياله، يجد المشاهد نفسه أمام شاب بسيط، خجول أحياناً، لا يبدو عليه أنه يعيش أيامه الأخيرة. هنا تحديداً يكتسب الفيلم قيمته الوثائقية والوجدانية معاً، إذ يتحول الأرشيف إلى شهادة حيّة على زمن كامل، وليس فقط على مصير فنان سقط برصاص التطرف.
الراي.. صوت جيل كامل
يستعيد الوثائقي أيضاً تلك اللحظة الفريدة التي تحوّل فيها “الراي” من مجرد موسيقى شعبية إلى تعبير اجتماعي وثقافي عن تمرّد جيل بأكمله. جيل كان يبحث عن متنفس وسط الانسداد، فوجد في أغنيات حسني لغة أقرب إلى نبضه اليومي من كل الخطابات السياسية والإيديولوجية.
لهذا السبب بالذات، لا يزال الشاب حسني حاضراً اليوم. ليس فقط لأنه قُتل شاباً فتحوّل إلى رمز، بل لأن أعماله نجحت في تجاوز ظرفها التاريخي. الأغاني التي وُلدت في أزقة وهران خلال تسعينيات القرن الماضي ما زالت تجد جمهوراً جديداً بين شباب لم يعيشوا تلك المرحلة أصلاً. وهذه هي المعجزة الحقيقية التي يوثّقها الفيلم: قدرة الفن على مقاومة التقادم والانتصار على الزمن.
“الشاب حسني.. ما زلت حيّاً” ليس فيلماً عن الماضي بقدر ما هو فيلم عن الحاضر. عن ذاكرة جزائرية ما زالت تحاول فهم جراحها، وعن فنان أصبح رمزاً لحق الناس في الفرح والحب والغناء. وبين الصور والأغاني والشهادات، يخرج المشاهد بانطباع واحد: لقد نجح المتطرفون في إسكات الصوت، لكنهم فشلوا في إسكات صدى أغانيه!
وها هو الصدى يتردد من جديد، بعد ثلاثة عقود، ليؤكد أن الشاب حسني لم يكن ضحية من ضحايا العشرية السوداء فحسب، بل واحداً من أشهر المنتصرين عليها.
















