لا يمكن اعتبار شعار “السينما للجميع” مجرد عنوان لبرنامج صيفي، تطلقه وزارة الثقافة في الجزائر، لاستمالة جمهور السينما، بل إنه يختزل قصة علاقة الجزائريين بالشاشة الكبيرة على امتداد نصف قرن.
من جمهور وُلد في قاعات السينما خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إلى جمهور اختفى تحت وطأة العشرية السوداء، وصولًا إلى محاولات الدولة اليوم إعادة بناء ما انقطع. فهل تنجح الجزائر في استعادة جمهورها السينمائي، قبل استعادة مكانتها في هذا المجال؟
السينما جزءًا من الحياة اليومية
لم تكن السينما في الجزائر، خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، مجرد فضاء للترفيه، بل كانت مؤسسة اجتماعية وثقافية بامتياز. كانت قاعات العرض منتشرة في أغلب المدن، وكان ارتيادها طقسًا أسبوعيًا تمارسه العائلات دون حرج أو تحفّظ، شأنه شأن الخروج إلى الحديقة أو زيارة الأقارب. داخل تلك القاعات، لم يكن الجمهور يستهلك الصورة فقط، بل كان يتعلمها، ويكوّن ذائقته، ويكتشف العالم من خلالها.
في تلك المرحلة، لم يكن الاستثمار موجهًا نحو إنتاج الأفلام وحده، بل نحو صناعة جمهور يعرف السينما ويقدرها. وقد لعبت نوادي السينما، ودور الشباب، والجمعيات الثقافية دورًا محوريًا في ترسيخ هذه الثقافة، قبل أن تتحول لاحقًا إلى مدارس غير رسمية خرج منها عدد من السينمائيين والهواة الذين وجدوا في الكاميرا وسيلة للتعبير عن المجتمع وهمومه.
ولم تكن الشاشة الجزائرية أسيرة الفيلم التاريخي وحده، بل انفتحت على أسئلة المجتمع والمدينة والريف والشباب والمرأة، في أعمال مثل “عطلة المفتش الطاهر” (1972) و”دورية نحو الشرق” (1971) و”عمر قتلاتو” (1976) و”الفحام” (1972) و”الطاكسي المخفي” فوجد الجزائري نفسه ممثلًا على الشاشة، لا مجرد متفرج عليها، لقد كان ذلك الزمن، في جوهره، زمن ولادة جمهور سينمائي حقيقي، يمنح السينما كل معناها الاجتماعي.
العشرية السوداء التي أطفأت الأنوار
لم تصمد هذه العلاقة الوثيقة بين الجزائري والسينما أمام سنوات العنف التي عاشتها البلاد خلال التسعينيات. فالعشرية السوداء تجاوزت آثارها تراجع الإنتاج الفني عامة، لتمس جوهر الحياة الثقافية نفسها. لقد أغلقت قاعات كثيرة، وأُحرقت أخرى، وتحولت بعض دور العرض نحو نشاطات تجارية أخرى، بينما غادر عدد من السينمائيين البلاد، وتراجعت الممارسة الثقافية أمام مناخ الخوف. ولم يعد ارتياد السينما فعلًا عاديًا كما كان، بل أصبح بالنسبة إلى كثيرين سلوكًا محفوفًا بالمخاوف وسوء الفهم، في وقت كانت فيه الفنون عمومًا تدفع ثمن الإرهاب.
لعل الخسارة الكبرى لم تكن في المباني وحدها، بل في الجمهور نفسه. فقد انقطعت عادة الذهاب إلى السينما، ونشأ جيل كامل بعيدًا عن القاعة المظلمة، لا يعرفها إلا من الصور أو الحكايات. وهكذا، لم تفقد الجزائر جزءًا من بنيتها الثقافية فحسب، بل فقدت أيضًا جمهورًا كان يشكّل أحد أهم شروط ازدهار الفن السابع.
إعادة بناء العلاقة مع السينما
اليوم، تبدو الجزائر أمام مرحلة مختلفة، عنوانها إعادة الاعتبار للسينما باعتبارها رافدًا من روافد الثقافة الوطنية والقوة الناعمة. فقد شهد القطاع خلال السنوات الأخيرة اهتمامًا متزايدًا من أعلى هرم السلطة، تُرجم في دعم مشاريع سينمائية، وإطلاق صندوق لدعم الإنتاج تشرف عليه وزارتا الثقافة والمجاهدين، إلى جانب مساعٍ لإعادة تأهيل عدد من القاعات، وتشجيع الإنتاج الوطني.
غير أن أهمية مبادرة “سينما الهواء الطلق للشباب” لا تكمن فقط في تنظيم عروض خلال موسم الصيف، وإنما في الشعار الذي اختارته أي “السينما للجميع”. فهذا الشعار يعبّر عن رؤية تتجاوز الفيلم إلى المتلقي، وتجعل من توسيع حق الوصول إلى الثقافة هدفًا قائمًا بذاته.
العروض المبرمجة في الساحات العمومية، ودور الشباب، والمناطق الريفية والصحراوية، وما يرافقها من ورشات للتكوين والتربية على الصورة، تعكس وعيًا بأن نهضة السينما لا تتحقق بإنتاج الأفلام وحدها، وإنما بإعادة تكوين جمهورها، وتعريف الأجيال الجديدة بمهنها، وتنمية حسها النقدي والجمالي. ولعل أهم ما يميز هذه المقاربة أنها تعيد الاعتبار لفكرة العدالة الثقافية، التي تجعل من السينما حقًا يصل إلى المواطن حيث يوجد، بدل أن تبقى حكرًا على المدن الكبرى أو المناسبات الموسمية.
ترميم ما انكسر
إذا كانت السينما الجزائرية قد حققت في الماضي حضورًا عالميًا من خلال أفلامها ومخرجيها، فإن رهانها اليوم يبدو مختلفًا. فقبل البحث عن الجوائز والمهرجانات، تحتاج إلى استعادة ذلك الجمهور الذي كان يملأ القاعات، ويمنح الشاشة معناها الحقيقي. من هنا، لا يبدو شعار “السينما للجميع” مجرد عنوان لبرنامج صيفي، بل عنوانًا لمرحلة جديدة تسعى إلى إعادة بناء الجسر الذي انقطع بين الجزائري والسينما. فالقاعات يمكن ترميمها، والأفلام يمكن إنتاجها، أما الجمهور فلا يُستعاد إلا بسياسة ثقافية طويلة النفس تؤمن بأن الفن السابع ليس ترفًا، بل مدرسة للذوق، وفضاء للحوار، وأحد المرايا التي ترى بها الأمم نفسها، وتحكي بها قصتها للأجيال القادمة.















