بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

تحليل سياسي

السودان على أعتاب 12 سبتمبر.. حظر السلاح وملف “الإخوان المسلمين” يضعان مجلس الأمن أمام اختبار حاسم

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

تدخل الحرب السودانية محطة دبلوماسية حساسة مع اقتراب 12 سبتمبر/أيلول الجاري، موعد انتهاء نظام العقوبات المفروض بموجب القرار 1591، فيما تتحول معركة التجديد داخل مجلس الأمن إلى اختبار يتجاوز الإجراءات الروتينية السنوية المعتادة، لتلامس جوهر الصراع: تدفق السلاح، ومستقبل الجيش، ونفوذ الحركة الإسلامية داخل المعسكر الذي يقوده عبد الفتاح البرهان.

تدفع واشنطن باتجاه توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، مع إدراج الطائرات المسيّرة وأنظمتها والتكنولوجيا المرتبطة بها ضمن القيود. في المقابل، ترفض الحكومة السودانية توسيع نطاق الحظر، فيما تتحفظ روسيا والصين على توسيع العقوبات، وتربطان موقفهما بمخاوف السيادة وإضعاف مؤسسات الدولة.

لكن خلف هذا الاشتباك يبرز ملف أكثر حساسية: الدور الذي تلعبه الحركة الإسلامية السودانية وتشكيلاتها المسلحة في الحرب، وتحول “كتيبة البراء بن مالك” إلى قوة تقاتل إلى جانب الجيش، في وقت صنفت فيه واشنطن “الإخوان المسلمين السودانيين” كياناً إرهابياً.

حظر السلاح أمام واقع جديد

بدأ حظر السلاح الأممي على السودان العام 2004، قبل أن يعززه القرار 1591 في مارس/آذار 2005. وظل الحظر مرتبطاً بدارفور، على الرغم من أن الحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 اتسعت لتشمل الخرطوم وكردفان ومناطق أخرى.

وفي سبتمبر 2025، مدد مجلس الأمن نظام العقوبات حتى 12 سبتمبر 2026، ليعود الملف الآن إلى المجلس في ظروف عسكرية مختلفة تماماً، فالمسيّرات أصبحت سلاحاً رئيساً في المعارك، ولم تعد الجبهات محصورة في الإقليم الذي صُمم الحظر أساساً من أجله.

لهذا طرحت الولايات المتحدة في 24 أغسطس/آب الماضي مشروع قرار لتوسيع الحظر إلى كامل الأراضي السودانية، مع شمول الطائرات المسيّرة وأنظمتها والتكنولوجيا اللازمة لتشغيلها، وتعزيز قدرات فريق الخبراء المكلف بمراقبة تدفقات السلاح.

وتستند واشنطن إلى تصاعد استخدام المسيّرات ضد المدنيين والبنية التحتية. وقال مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والشرق الأوسط مسعد بولس أمام مجلس الأمن، إن المسيّرات المسلحة قتلت أكثر من 1120 مدنياً خلال النصف الأول من 2026، مشيراً إلى استخدامها من جانب الجيش وقوات الدعم السريع على حد سواء.

تكشف هذه النقطة جوهر الطرح الأمريكي: لم تعد مشكلة السلاح مرتبطة بطرف واحد، بل أصبحت الحرب نفسها تعتمد على تدفق مستمر للأسلحة والتكنولوجيا، ما يجعل استمرار الحظر في دارفور وحدها أقل قدرة على التأثير في مسار المعارك.

موسكو وبكين في المواجهة

تصطدم المبادرة الأمريكية بموقف الخرطوم ورفض روسي وصيني لتوسيع القيود. وتقول الحكومة السودانية إن توسيع الحظر سيضعف الجيش في مواجهة قوات الدعم السريع، ويعامل المؤسسة العسكرية باعتبارها طرفاً مساوياً لقوة شبه عسكرية تنازع الدولة السيطرة على أراضيها.

لكن هذه الحجة تواجه واقعاً أكثر تعقيداً، فالجيش نفسه متهم باستخدام أسلحة متطورة ضد مناطق مدنية، فيما تشير تقارير دولية إلى أن أطرافاً خارجية تمد طرفي الحرب بالسلاح والتكنولوجيا والخبرات العسكرية.

بالتالي، فإن معركة مجلس الأمن لم تعد تتعلق بمن يستحق السلاح ومن لا يستحقه، بقدر ما تتعلق بقدرة المجتمع الدولي على وقف اقتصاد عسكري يسمح للطرفين بتجديد قدراتهما بينما تتسع الكارثة الإنسانية.

الإخوان يعيدون التموضع

في قلب هذا المشهد تقف “الحركة الإسلامية السودانية”، التي خسرت موقعها السياسي بعد سقوط عمر البشير العام 2019، لكنها لم تختف من مؤسسات الدولة أو المشهد العسكري.

ومع اندلاع الحرب، عادت التشكيلات الإسلامية المسلحة إلى الواجهة، وفي مقدمتها “كتيبة البراء بن مالك”، التي أصبحت من أبرز القوى التي تقاتل إلى جانب الجيش.

وفي سبتمبر 2025 فرضت الخزانة الأمريكية عقوبات على الكتيبة بسبب دورها في الحرب، قبل أن تصعّد واشنطن موقفها في مارس 2026 بتصنيف “الإخوان المسلمين السودانيين” كـ”إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص”، وربطت التصنيف بالحركة الإسلامية السودانية وذراعها المسلحة.

تقول واشنطن إن تنظيم “الإخوان المسلمين” أسهم بأكثر من 20 ألف مقاتل في الحرب، وإن عدداً من عناصره تلقى تدريباً ودعماً من الحرس الثوري الإيراني، كما اتهمت مقاتلي الكتيبة بارتكاب إعدامات وانتهاكات بحق مدنيين.

بهذا التصنيف لم تعد الحركة الإسلامية مجرد قوة سياسية تحاول استعادة نفوذها، بل أصبحت في الحسابات الأمريكية تنظيماً مرتبطاً بجناح مسلح يشارك مباشرة في الحرب.

البرهان بين الجيش والإسلاميين

يحاول البرهان الفصل بين القوات المسلحة والحركة الإسلامية، وينفي وجود تحالف سياسي بينها وبين الجيش. لكن الوقائع الميدانية تجعل هذا الفصل موضع شك متزايد، فالتشكيلات الإسلامية المسلحة تقاتل إلى جانب الجيش، فيما تحتاج القيادة العسكرية إلى هذه القوى لتعويض النقص البشري على الجبهات. وفي المقابل، تحتاج الحركة الإسلامية إلى استمرار الحرب للحفاظ على نفوذها وإعادة بناء موقعها داخل الدولة.

هنا ينشأ تقاطع مصالح لا يحتاج إلى تحالف معلن حتى يكون مؤثراً، فالبرهان يخوض الحرب تحت عنوان الدفاع عن الدولة ومؤسساتها، لكن استمرار الاعتماد على فصائل إسلامية مسلحة يمنح خصومه حجة قوية للتشكيك في استقلال القرار العسكري عن بقايا النظام السابق.

والأخطر أن انتصار الجيش، إذا تحول إلى بوابة لعودة الإسلاميين إلى مؤسسات الدولة، لن يكون انتقالاً إلى الاستقرار، بل إعادة إنتاج للبنية السياسية التي سبقت سقوط البشير. كما أن إبعاد الحركة الإسلامية عن التسوية المقبلة لا ينبغي أن يكون تفصيلاً تفاوضياً، بل جزءاً من أي تصور جدي لإعادة بناء الدولة السودانية.

المال يمول استمرار الحرب

لا يمكن فصل حظر السلاح عن تجفيف شبكات التمويل، إذ إن العقوبات الأمريكية على الحركة الإسلامية و”كتيبة البراء بن مالك” تستهدف الأصول والمعاملات المرتبطة بهما، وتفرض مخاطر كبيرة على المؤسسات والأفراد الذين يتعاملون مع الجهات المصنفة. لكن فعالية هذه الإجراءات ستظل محدودة إذا بقي اقتصاد الحرب قادراً على تمويل شراء السلاح عبر شبكات الذهب والتهريب والشركات والواجهات المالية.

ومن هذا المنطلق، يجب أن يمتد الضغط الدولي من مستوردي السلاح إلى ممولي الحرب، ومن البائعين إلى الوسطاء الذين يوفرون الأموال التي تحول الموارد السودانية إلى ذخائر ومسيّرات ومقاتلين.

السودان أمام اختبار حاسم

تتجاوز الحرب السودانية حدود الصراع العسكري. فقد أجبرت، وفق مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، نحو 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم منذ اندلاع القتال، بينهم نحو 9 ملايين نازح داخلياً و4.4 مليون لاجئ خارج البلاد.

وفي الوقت نفسه، تتسع أزمة الغذاء وتنهار الخدمات الأساسية، بينما تستمر الجبهات في استنزاف ما تبقى من قدرة الدولة على العمل. لذا، يأتي 12 سبتمبر كاختبار لمجلس الأمن، لا كموعد تقني لتجديد العقوبات. فإما أن يوسع المجلس الحظر ليواكب خريطة الحرب الجديدة، ويشدد الرقابة على السلاح والمسيّرات وشبكات التمويل، أو يبقي نظاماً صُمم لمرحلة لم تعد قائمة.

لكن وقف تدفق السلاح لن يكون كافياً وحده. المطلوب أيضاً منع الحركة الإسلامية من تحويل الحرب إلى منصة عودة سياسية، وإجبار القيادة العسكرية على الفصل بين مؤسسة الجيش والتشكيلات العقائدية التي تقاتل إلى جانبها.

لا يحتاج السودان إلى إعادة إنتاج نظام البشير بوجوه عسكرية جديدة، ولا إلى انتصار عسكري يفتح الطريق أمام عودة الإسلاميين إلى السلطة. المطلوب هو تفكيك بنية الحرب نفسها: سلاحاً وتمويلاً وميليشيات، وصولاً إلى جيش مهني موحد يخضع لسلطة مدنية. وعندها فقط يصبح 12 سبتمبر بداية لمسار مختلف، لا مجرد موعد جديد لتمديد العقوبات بينما تستمر الحرب.