بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

مقالات مشابهة

إرهاب معاصر (8-8)

الساحل والصحراء الكبرى: العنف المتطرّف من تمرّد أيديولوجي إلى أداة جيوسياسية في فراغ الدولة

بقلم يوسف موسى
بقلم يوسف موسى

لم يعد العنف المتطرّف في إفريقيا، ولا سيما في فضاء الساحل والصحراء الكبرى، مجرّد انعكاس لتطرّف ديني أو اختلالات اجتماعية مزمنة، بل تحوّل خلال العقدين الأخيرين إلى أداة جيوسياسية مكتملة الوظيفة، تُدار داخل فراغ الدولة، وتُستثمر في صراعات النفوذ الإقليمي والدولي.

أصبحت المنطقة الممتدة من موريتانيا غرباً إلى تشاد شرقاً أكثر قرباً من مراكز القرار العالمي، وأضحت ساحة اختبار مفتوحة لإعادة تشكيل موازين القوة، حيث يتقاطع العنف المتطرّف مع الجريمة المنظمة، والانقلابات العسكرية، وتنافس القوى الدولية على الموارد والمسارات الاستراتيجية.

انهيار الدولة: الشرط البنيوي للعنف المنظّم

يشكّل تفكك الدولة الوطنية العامل البنيوي الأهم في صعود الحركات الإسلامية الأصولية في الساحل. فالأزمة لا تقتصر على ضعف أمني، بل تتجذّر في أزمة شرعية سياسية عميقة. ففي دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تمارِس السلطة المركزية سيادتها الفعلية في العواصم وبعض المدن الكبرى فقط، بينما تُترك الأطراف الشاسعة لمنطق السلاح، والاقتصاد غير الرسمي، والولاءات المحلية.

وهنا، لا تظهر الجماعات المسلحة بوصفها قوى فوضوية فقط، بل كفاعلين بدلاء للدولة: تفرض الإتاوات، تنظّم الحركة، تؤمّن الحماية، وتدير الموارد. وبهذا المعنى، خرج الإرهاب من عباءة النظام القائم، إلى نظام مواز يعمل بقواعده الخاصة، ويستمد شرعيته من عجز الدولة لا من قبول المجتمع.

من الخطاب الأيديولوجي إلى إدارة المجال

تجاوزت الحركات الإسلامية الأصولية في الساحل، سواء المرتبطة بالقاعدة أو بتنظيم الدولة الإسلامية، منذ سنوات مرحلة العمليات الرمزية، وانتقلت إلى منطق إدارة المجال الجغرافي والبشري. فتنظيم “نصرة الإسلام والمسلمين” في مالي، و”داعش في الصحراء الكبرى”، لا يسعيان فقط إلى القتل أو بث الرعب، بل إلى فرض معادلة سياسية بالقوة.

الهدف هنا ليس إسقاط الدولة بالكامل، بل إضعافها إلى حدّ العجز، بما يسمح باستدامة الفوضى وتحويلها إلى مورد دائم للنفوذ. وهكذا، يتحوّل الإرهاب من مشروع أيديولوجي صرف إلى اقتصاد سياسي للعنف، تصبح فيه العمليات المسلحة أداة تفاوض غير معلنة مع الدولة والمجتمع الدولي.

هجمات كاشفة لعمق الانهيار 

بعثت الهجمات الكبرى في الساحل رسائل استراتيجية واضحة، إلى جانب الاختراقات الأمنية الواضحة. فالهجوم على قاعدة إيناتيس في النيجر عام 2019، والهجمات المتكررة على القواعد العسكرية في شمال مالي، والمجازر الجماعية ضد القرى في بوركينا فاسو، كشفت هشاشة الجيوش الوطنية، وحدود الوجود الدولي، وتعليق مفهوم السيادة نفسه.

أما جماعة بوكو حرام، فقد قدّمت النموذج الأكثر دموية، ليس فقط عبر اختطاف طالبات شيبوك، بل من خلال تحويل العنف ضد المدنيين إلى أداة حكم، يُعاد عبرها تشكيل الخوف بوصفه وسيلة للسيطرة الاجتماعية.

عمليات مفصلية أعادت رسم خريطة الإرهاب:

  • 2009 – نيجيريا: انطلاق التمرد المسلح لبوكو حرام.
  • 2011 –  شمال مالي: سيطرة جماعات مرتبطة بالقاعدة على تمبكتو وغاو.
  • 2013 – الجزائر (عين أمناس): هجوم على منشأة الغاز.
  • 2014 – نيجيريا: اختطاف طالبات شيبوك.
  • 2015 – مالي (باماكو): هجوم فندق “راديسون بلو”.
  • 2016 – بوركينا فاسو: هجمات في واغادوغو.
  • 2017 – الساحل الأوسط: صعود داعش في الصحراء الكبرى.
  • 2019 – النيجر: هجوم قاعدة إيناتيس. 
  • 2020 – موزمبيق: سيطرة مؤقتة لداعش على مدينة ساحلية.
  • 2021–2023 – مالي وبوركينا فاسو: مجازر جماعية.
  • 2024 – تصاعد إقليمي عابر للحدود.

الإرهاب والاقتصاد الأسود: تحالف بنيوي

لا يمكن فهم استمرارية الإرهاب في الساحل من دون تفكيك علاقته العضوية بالاقتصاد غير الشرعي. فتهريب السلاح، والمخدرات، والبشر، والسيطرة على مناجم الذهب، ليست أنشطة هامشية، بل العمود الفقري لقدرة الجماعات المسلحة على البقاء.

في مناطق عديدة، بات الإرهاب جزءاً من سلسلة قيمة اقتصادية معقّدة، تستفيد منها شبكات تهريب عابرة للحدود، وزعامات محلية، وأحياناً نخب فاسدة داخل مؤسسات الدولة. هذا التداخل يجعل القضاء على الإرهاب تهديداً لمصالح قائمة، لا مجرد قرار أمني.

الشباب وقود الصراع

تعتمد الجماعات الأصولية على خزان بشري لا ينضب من الشباب المهمّشين. فالفقر، وغياب التعليم، وانعدام الأفق، تنتج هشاشة اجتماعية، وقابلية سياسية للعنف. الشاب الذي لا يرى الدولة إلا كقوة قمعية أو كياناً غائباً، يكون أكثر استعداداً لتبنّي سردية راديكالية تمنحه معنى ودوراً.

على الرغم من الخطاب العقائدي المتشدد، فإن الإرهاب في الساحل لا يتحرك بدافع ديني صرف. الدين هنا لغة تعبئة، بينما الصراع الحقيقي يدور حول السلطة، والموارد، والهوية، والسيطرة على المجال الجغرافي.

الفوضى أداة نفوذ واستمرار العنف

كشفت التجربة الفرنسية في الساحل، خصوصاً عبر عملية “برخان”، حدود المقاربة العسكرية الغربية. فبالرغم من النجاحات التكتيكية، فشل المشروع في إعادة بناء الدولة أو كسر ديناميات الإرهاب، وتحوّل الوجود العسكري الأجنبي في حالات كثيرة إلى وقود دعائي للجماعات المسلحة.

إن ما يجري في الساحل والصحراء الكبرى لا يقتصر أثره على إفريقيا، فالمنطقة تمثل مخزوناً استراتيجياً للعنف قابلاً للتصدير، سواء عبر الهجرة غير النظامية، أو الشبكات الرقمية، أو عودة المقاتلين، ما يجعل تجاهل جذور الأزمة تأجيلاً لانفجارها في ساحات أخرى.

الإرهاب هناك لم يعد خللاً أمنياً فحسب، بل نتيجة مباشرة لانهيار نموذج الدولة، وتحوّل الفوضى إلى أداة نفوذ. ومواجهته تكون بإعادة بناء الحكومات، وتجفيف اقتصاد العنف، وفك الارتباط بين الإرهاب ومصالح اللاعبين المحليين والدوليين. من دون ذلك، ستبقى المنطقة بؤرة توتر، ومختبراً دائماً لإعادة إنتاج العنف في نظام دولي تحكمه موازين القوة أكثر مما تحكمه القواعد.