بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

مقالات مشابهة

تقرير ثقافي

الساحل الإفريقي وإعادة اختراع الهوية: ما بعد الفرنكوفونية بين السيادة والفسيفساء الاجتماعية

بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر
بقلم محرر الشؤون الإفريقية: على مهاجر

لم تكن القطيعة التي أعلنتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو مع الفضاء الفرنكوفوني خطوة لغوية أو تعديلاً بروتوكولياً في السياسة الثقافية فحسب، بل لحظة كاشفة أعادت طرح سؤال مؤجّل: من يملك حقّ تعريف الدولة والهوية في الساحل الإفريقي؟

منذ الانسحاب من المنظمة الدولية للفرنكفونية، لم يعد الجدل يدور حول اللغة الفرنسية بوصفها أداة تواصل أو تعليم، بل حول وظيفتها التاريخية كلغة سيادة ورمز نفوذ سياسي وثقافي في مجتمعات شديدة التعدد، لم يكن يجمعها تاريخياً سوى الإسلام من جهة، والفرنسية كلغة إدارة مركزية من جهة أخرى.

إعادة تعريف الشرعية السياسية

ليس دقيقاً اختزال التحوّل في قرار آنيّ لأنظمة تبحث عن شرعية بديلة. فقد أوضحت دراسات صادرة بين عامي 2024 و2025 عن جهات بحثية دولية (على غرار Chatham House ومجموعة الأزمات الدولية) أن القطيعة جزء من مراجعة أوسع لمصادر الشرعية بعد تآكل الثقة الشعبية في نخب ارتبطت تاريخياً بفرنسا. لا تُقرأ الخطوة «ثورة لغوية»، بل تفكيكاً تدريجياً لأدوات النفوذ الناعم الفرنسي التي شكّلت لعقود حصّة من بنية الدولة ما بعد الاستعمار.

عملياً، لم تتوقف دول الساحل عند إعلان رمزي؛ أُعيد توجيه التعاون الثقافي والتعليمي، وعُدِّل الخطاب الدبلوماسي الذي كان يُقدِّم الانتماء إلى الفرنكوفونية كخيارٍ بديهي. في المقابل، توسَّعت الشراكات التعليمية والتدريبية مع أطراف غير فرنكوفونية في التكوين المهني والتعليم العالي والإعلام. ولم تختفِ الفرنسية من الإدارة والفضاء العام، لكنها فقدت للمرة الأولى منذ الاستقلال وضعها الاحتكاري كلغة دولة وحيدة مُنتِجة للشرعية.

تفكيك الإرث الفرنكفوني: بين الإقصاء وإعادة التكييف

على المستوى الثقافي، يدور جدل أكاديمي واضح حول طبيعة ما يجري: هل نحن أمام عملية تخلّص من الثقافة الفرنكفونية أم إعادة تكييفها داخل مشهد أكثر تعددية؟ في دراسة منشورة في مجلة “African Studies Review” لعام 2024، يرى الباحث المالي موسى ديارا أن ما يحدث هو “نزع الطابع السيادي عن الفرنسية، لا إقصاؤها”، مؤكداً أن اللغة ستظل حاضرة في الإدارة والتعليم العالي بحكم الواقع المؤسسي والتاريخي.

في المقابل، تحذّر ورقة صادرة عن المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية من أن تراجع المؤسسات الثقافية الفرنكوفونية، إذا لم يُعوَّض بسياسات تعليمية قوية ومتعددة اللغات، قد يخلق فراغاً ثقافياً تستغله خطابات أيديولوجية أو هويات إقصائية.

هذا الجدل يلتقي عند نقطة أساسية: أن الدول المعنية لا تتجه إلى “تطهير لغوي”، بل إلى تفكيك ناعم للإرث الفرنكفوني عبر إدماجه في منظومة أوسع. ولأجل ذلك، بدأت اللغات الوطنية تحظى بمكانة متزايدة في الإعلام والتعليم الأساسي، انسجاماً مع توصيات منظمة اليونسكو بشأن التعليم متعدد اللغات، التي تؤكد أن استخدام اللغات الأم في المراحل الأولى يعزز الاندماج الاجتماعي والنتائج التعليمية، دون أن يمنع اكتساب لغات دولية لاحقاً.

بالتوازي، أُعيد النظر تدريجياً في المناهج الدراسية، مع تقليص مركزية السردية الاستعمارية وإبراز تاريخ الممالك الإفريقية وشبكات التجارة الصحراوية ودور الإسلام في تشكيل المجال الساحلي. في هذا السياق، تتحول الثقافة من أداة نفوذ خارجي إلى حقل تفاوض داخلي على معنى الانتماء.

الفسيفساء الاجتماعية والبحث عن رابط جامع جديد

وسط كل ذلك، يكمن التحدي الأعمق في البنية الاجتماعية نفسها، وليس مجرد اللغة. فالساحل الإفريقي فضاء فسيفسائي متعدد الأعراق واللغات، من البمبارا والفولانية إلى الهوسا والطوارقية. ولم يكن يجمع هذه التعددية سوى الإسلام بوصفه رابطاً قيمياً واسعاً، والفرنسية كلغة إدارة مركزية.

ومع تراجع هذا الرابط الثاني، لا يبدو أن بديلاً أحادياً في الأفق. يشير عالم الاجتماع النيجري عبد الله إدريس، في دراسة صادرة عن جامعة ليدن، إلى أن محاولة إحلال لغة واحدة محل الفرنسية محكوم عليها بالفشل، لأن المجتمعات الساحلية لم تُبنَ تاريخياً حول هوية لغوية موحّدة، بل حول توازنات محلية وشبكات دينية وتجارية.

وما يتشكل عملياً، بحسب هذا الطرح، هو نموذج تعددي وظيفي، تُوزّع فيه الأدوار بدل البحث عن لغة جامعة جديدة. فاللغات الوطنية تُستخدم لتعزيز الشرعية الداخلية، ولغات عابرة مثل الهوسا والفولانية تؤدي دور الجسور الاجتماعية والإقليمية غير الرسمية، والعربية تستعيد مكانة رمزية بوصفها لغة تاريخية ودينية سابقة للاستعمار، فيما تُوظَّف الإنجليزية كلغة براغماتية للانخراط في الاقتصاد العالمي. هذه الصيغة لا تنتج هوية صلبة مغلقة، بل هوية مركبة وتفاوضية، تعكس واقع المجتمعات أكثر مما تفرضه الدولة.

ما بعد الأنظمة والانقلابات: هل أصبح التحول بنيوياً؟

في هذا المسار، يبرز البعد الإقليمي بوصفه عنصراً حاسماً. فتحالف دول الساحل لا يُقدَّم اليوم كتحالف أمني فحسب، بل كإطار سياسي ورمزي يسمح للدول الثلاث (تنزانيا، الجزائر، رواندا) بخوض هذا التحول من موقع جماعي. تحليل نشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية عام 2025 يرى أن الإطار الإقليمي يخفف كلفة القطيعة الثقافية مع فرنسا، ويمنح هذه الدول غطاءً سياسياً في مواجهة الضغوط الغربية، كما يفتح المجال لبناء سردية سيادية مشتركة تتجاوز الحدود الوطنية الضيقة.

التاريخ الإفريقي يقدم هنا سوابق مفيدة، وإن كانت غير قابلة للاستنساخ. فقد بنت تنزانيا هويتها الوطنية حول السواحيلية بعد الاستقلال، ودخلت الجزائر مسار تعريب طويلاً ومعقّداً، فيما أعادت رواندا توجيه بوصلتها اللغوية بعد عام 1994. غير أن دراسة لجامعة أكسفورد عام 2022 تحذر من إسقاط هذه التجارب حرفياً على الساحل، لأن نجاحها ارتبط بوجود دولة مركزية قوية واستثمارات طويلة الأمد في التعليم والإدارة، وهي شروط لا تزال هشة في دول الساحل. الدرس الأهم من هذه السوابق هو أن التحول اللغوي ليس قراراً فوقياً سريعاً، بل مساراً تاريخياً طويلاً يتطلب صبراً سياسياً وقدرة مؤسسية.

يبقى السؤال الأكثر حساسية في الجدل الدائر: ماذا لو رحلت الأنظمة الانقلابية التي تقود هذا التحول؟ هل تعود الأمور إلى ما كانت عليه؟ هنا ينقسم الباحثون. ترى مجموعة الأزمات الدولية أن القطيعة مع الفرنكفونية السياسية باتت تعبيراً عن مزاج شعبي واسع رافض لعقود من النفوذ الفرنسي، وبالتالي فهي تتجاوز الحكّام الحاليين.

التفاوض على معنى الدولة والهوية

في المقابل، يشير محللون في مجلة “Le Monde diplomatique” إلى أن عودة نخب مدنية تقليدية قد تعيد فتح قنوات التعاون مع الفرنكفونية، لكن في إطار مختلف، أقل هيمنة وأكثر براغماتية. ما يبدو شبه محسوم، وفق معظم القراءات، هو أن العودة إلى الوضع السابق، حيث كانت الفرنسية لغة سيادة غير قابلة للنقاش، لم تعد ممكنة.

في المحصلة، ما يشهده الساحل الإفريقي ليس صراع لغات، بل إعادة تفاوض عميقة على معنى الدولة والهوية في فضاء ما بعد الاستعمار. الفرنسية ستبقى حاضرة كلغة استخدام، لكنها فقدت احتكارها للشرعية. وفي المقابل، تتشكل هوية جديدة، تعددية ومتدرجة، تعكس تعقيد المجتمعات الساحلية وتطلعاتها إلى سيادة رمزية حقيقية، بغضّ النظر عمّن يحكم.