سجّل الذهب، الإثنين، قفزة تاريخية غير مسبوقة متجاوزاً عتبة خمسة آلاف دولار للأونصة، مدفوعاً بتصاعد حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي المرتبطة بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتنامي التوترات الجيوسياسية العالمية على أكثر من جبهة. كما ارتفعت الفضة إلى مستويات لامست حاجز 110 دولارات للأونصة.
ارتفع سعر الذهب الفوري إلى 5093.15 دولاراً للأونصة، فيما صعدت العقود الآجلة للذهب الأمريكي تسليم فبراير/شباط إلى 5128.85 دولاراً للأونصة، في إشارة واضحة إلى ترسّخ الاتجاه الصعودي في الأسواق العالمية التي يمكن أن تقفز بالأسعار إلى مستويات 6400 دولار للأونصة خلال العام 2026.
لو تذكر مكاسب الذهب خلال عام بجملة صغيرة متل الفضة، يواصل المعدن الأصفر أداءه الاستثنائي للعام الثاني على التوالي، مستفيداً من ضعف الدولار الأمريكي وتزايد الإقبال على الأصول الآمنة، بعدما كان قد اخترق حاجز 2000 دولار للمرة الأولى في يناير 2024، ليدخل منذ ذلك الحين في مسار صعودي تاريخي متسارع، لتبلغ نسبة صعوده نحو 84% منذ عام وحتى تاريخه.
تضخّم الطلب على الملاذ الآمن
جاء هذا الارتفاع في سياق دولي مضطرب، حيث ساهم التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي بشأن غرينلاند في تعزيز المخاوف من اختلالات جيوسياسية أعمق، ما انعكس مباشرة على أسواق المعادن النفيسة.
في أوروبا الشرقية، اختتمت أوكرانيا وروسيا، السبت، اليوم الثاني من المحادثات التي رعتها الولايات المتحدة في العاصمة الإماراتية أبوظبي دون تحقيق اختراق، مع ترجيحات باستئناف المفاوضات نهاية الأسبوع المقبل.
على الصعيد التجاري، زاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من منسوب القلق في الأسواق، معلناً عزمه فرض تعريفة جمركية بنسبة 100% على كندا في حال مضيّها في اتفاق تجاري مع الصين، مُحذراً من أن مثل هذه الخطوة قد تعرّض الاقتصاد الكندي لمخاطر جسيمة، في تصعيد يعيد شبح الحروب التجارية إلى الواجهة العالمية.
الفضة تلحق بالذهب وتكسر حاجز 100 دولار
لم يقتصر الزخم على الذهب، إذ قفز سعر الفضة الفوري إلى 109.46 دولارات للأونصة، بعد أن اخترق حاجز 100 دولار للمرة الأولى الجمعة، مواصلاً مكاسبه القوية التي بلغت 147% خلال العام الماضي.
جاء هذا الارتفاع مدفوعاً بإقبال المستثمرين الأفراد وزخم المضاربات في الأسواق، إلى جانب شحّ المعروض في الأسواق المادية، ما زاد من حساسية الأسعار لهذا المعدن الذي يجمع بين كونه أصلاً استثمارياً ومكوناً صناعياً أساسياً.
هل دخل العالم مرحلة “الذهب فوق السياسة”؟
تعكس القفزة التاريخية للذهب والفضة تحوّلاً أعمق في سلوك المستثمرين والبنوك المركزية، حيث لم يعد المعدن الأصفر مجرد أداة تحوّط ظرفية، بل بات مرآة مباشرة لفقدان الثقة في النظام المالي والسياسي العالمي. أما الفضة، فتستفيد من هذا المناخ كأصل بديل أقل تكلفة وأكثر حساسية للزخم الاستثماري، لكنها تبقى أكثر عرضة للتقلبات في حال تراجع شهية المخاطرة أو انحسار المضاربات.
سياسات ترامب التجارية التصادمية، إلى جانب تصاعد النزاعات الجيوسياسية من أوكرانيا إلى القطب الشمالي، أعادت الاعتبار لمنطق “التحوّط من الدولة” وليس فقط من التضخم أو أسعار الفائدة. في هذا السياق، تتحول البنوك المركزية – لا سيما في آسيا – إلى لاعبين رئيسيين في سوق الذهب، ما يمنح الاتجاه الصاعد بعداً استراتيجياً طويل الأجل.
نستخلص من المشهد العام أن الأسواق قد دخلت مرحلة تسعير سياسي بامتياز، حيث تتحرك المعادن النفيس وفق معادلات العرض والطلب، ومقياس القلق العالمي، وهو مؤشر يبدو حتى الآن مرجّحاً لمصلحة الذهب.















